
ثمة ليال تجرح القلبثمة ليال تجعل الواحد يفكر ، يدوخ ، يسافر، يرتفع الي الدخان الذي فوق الدنيا بقليل
كأن يكون الليل هو ست ساعات بالضبط أحمل فيها ولد عمره اثنان وعشرون ساعة فقط،أمه غائبة بفعل آلام المخاض وبقايا المخدر فيما ينام أبوه بجوارها متكورا ومنهكا وعليه تدور رائحة نوم الأسرى.
بيت بأكمله أنا الخطوات فيه وأنا الصوت والطفل بين ذراعي ،ثمة قرابة دماء وعصب تربطه بي ،اسمه الثلاثي يخصني،
لكن الأمر ليس هكذا.
الزجاجات تقع من يدي ،الأكواب،أضعف ما فيّ اليدان، والروح –ربما- مكسورة قليلا.
لما يفتح الولد عينه في ظلام الليل كانت تجرحني قليلا،تنثر حول جسدي صوت همهمات غامضة وتاريخ.
الأجمل ان يغمض عينيه ساعتها، كي لا يجرحني بالاقتراب،
أنا التي لما اقترب اتعب.
لا اقدر علي المحبة.
علي الوقوف قدام الأشياء الحقيقية.
لما تحسها روحي تتعب جدا،أتمنى ساعتها لو لم تكن.
الولد يبكي بحرقه وقدرة ساعاته الاثنان والعشرون،لا لبن في ثدي أمه ولا طاقه لديها، حنانها مخنوق تحت آلام المخاض وتأثير المخدر .
فيما أخدعه بقطرات الينسون في فمه.
مثل أي شريرة عجوز ،أضع قطرات الينسون الغير محلي في ملعقة اكبر من فمه،أقرب يدي اليمني المرتعشة من فمه المفتوح ،حين يشعر بها يرتجف ،يبتلعها ولا يبدو علي وجهه سوي الخوف.
ثمة ليال تجعلنا نفكر فقط في طلوع النهار.
علي سرير المخاض ،كانت أمه ترقد أمامي ،عينها رمادية ،كانت تقول أدعي لي،بعدها صرخت ثلاث مرات في خمس وثلاثون دقيقة،كنت أرهف السمع أحصي صرخاتها فيما يمر هاجس ما ، أن أموت فجأة من التوتر فأسبب حرجا للباقين.
فجأة صرخت طبيبه وقالت للأخريات "الحقن لقد نزل الطفل "وسمعت صوتا كأزيز الماكينات البعيدة (كنت صغيرة أحصى سنوات عمري علي أصابع كف واحدة ونصف إصبع من الكف الأخرى حين رأيت والد الطفل الذي بين يدي وهو خارج لتوه من رحم أمي،
فقط اذكر لون وجهه ورائحة سحرية لشعره وجبينه.
ألان ..أبنه بين يداي ،في ليلة تطير فوق الروح بقليل ،ليلة تنثر فوق رأسي أزيز يضايقني ، لا ليس الضيق ،نقول هو الخوف ،لما تطيل السجود لله مثلا ،تشعر انك عند باب ،خشبه تكاد تشمه ،تخيل لو فتح الباب ،لو أخذتك رجفة هذا الفتح ،أين تكون روحك ساعتها ,
تكون متضايقة ؟
لا
تكون خائفة..؟
لا
تكون فرحة ..؟
لا
تكون كل هذا ؟
لا
طيب ماذا تكون أذن؟
لما يفتح الولد عينيه وينظر لي،لما يرتجف حين تلدغه بعوضة وتطير ،لما أدور به في فضاء الصالة بما يشبه الرقصة الخفيفة وأمس جفاف الأرض وارتفع فوقه بقليل ،خبط أسفل ظهري ويداي الضعيفتان ملتصقتان به وكأنه الروح ذاتها .
حين يرتجف من الجوع
اخدعه بالينسون الغير محلي
وجهه ينقبض من طعمه
فأشعر أني مجرمة
أصابعي لما تمر علي نعومه قدمه
دخت قليلا وفكرت في كيفيه وجوده داخل الرحم،مروره في الممر اللحمي المظلم .
ألان صار له صوت
صار يرتجف من الجوع ،يلعق يديه وطرف قماش جلبابه حين مس شفتيه بالصدفة
أمه التي بلا حليب في صدرها نامت ،وتركتني أهيم في شقتها وأنا أحمل الروح التي تشم هواء الدنيا منذ أقل من يوم .
لنترك حكايتي علي جنب .
ولنقول أنها الرجفة ،أنها الأشياء التي تمس ملالين العروق في جسد الواحد وفي ثانيه واحدة ، حين يفتح الولد عينيه وينظر لي.
لما أقطر الينسون في فمه.
لما أمس بطرف سبابتي جانب جبهته،أمسها برقه كي لا تذوب.
أسلي جوعه بخطوتي التي تشبه رقصة الساحرات فيما الإضاءات خافته
وأبواه نائمان.
بينما البخور يدور حولي ، شيء مثل إطالة السجود،أشم رائحة خشب باب السماء ويرتعب جزء فيّا، حين يفتح الولد عينيه فاسمع صرير فتح الباب.










من مصر