المقاومة اللبنانية
وتفكيك الشخصية الصهيونية
د.أحمد الخميسي
بداية أقول إنني لا أثق، ولم أثق يوما
واحدا، فيما يسمى قوى الديمقراطية والسلام في إسرائيل. فقد ساهمت تلك القوى كلها
ومازالت تساهم في الاحتلال والتوسع، وهي كغيرها تتحمل مسئولية عمليات الإبادة
الجماعية للشعب الفلسطيني منذ نصف القرن، ومسئولية كل عدوان تم. وكن شعوري الثابت
أنه من المستحيل لشخص أن يحتل أرضا، ثم يجلس على كرسي فوقها، ويبدأ بالسفسطة حول
مشروعه الديمقراطي واعتراضه على تفاصيل هنا وأخرى هناك، بينما هو طرف في الجريمة،
يبارك استمرارها كل يوم، ويغذي أسس وجودها. ومع ذلك، لم أكن يوما ضد أي مسعى جزئي
تبذله تلك القوى لتغيير بعض تفاصيل في صورة الشخصية الصهيونية العدوانية. وقد لاحظ
الكثيرون مع استمرار المقاومة اللبنانية البطلة في عملياتها وصمودها تزايد عدد
المظاهرات الإسرائيلية التي تحتج على الحرب الدائرة. فقد قام الإسرائيليون بمظاهرة
في 17 يوليو، شارك فيها أكثر من ألف شخص، وفي 27 يوليو خرج نحو خمسة آلاف متظاهر
إسرائيلي إلي شوارع تل أبيب، وفي 28 تجمعت مظاهرة كبرى أمام مقر السفارة الأمريكية
في تل أبيب، وفي اليوم التالي سار نحو ألفي وخمسمائة شخص في مظاهرة احتجاجا على
الحرب، وفي 5 أغسطس تجمعت مظاهرة أخرى كبرى احتجاجا على الحرب. وقد ردد المتظاهرون
خلال ذلك شعارات واحدة تقريبا بدءا من: "كفى لهوس الحرب، فليس ثمة حل عسكري"،
وانتهاء بشعار: "سنتنصر المقاومة ولن ينتصر جورج بوش وأولمرت". الأطراف المشاركة في
تلك الأشكال الاحتجاجية هي حركة "كتلة السلام"، و"الجبهة الديمقراطية للسلام"،
و"حركة تعايش"، وحركة "يوجد حد"، و"فوضويون ضد الجدار العازل"، و"الحزب الديمقراطي
العربي" في إسرائيل. وشهدت وسائل الإعلام الإسرائيلية حالة مشابهة، فقد أخذت غالبية
الصحف الإسرائيلية تنشر المقالات المعارضة للحرب على لبنان، ونشرت صحيفة "هارتس"
افتتاحيتين تعارض فيهما الحرب، وتعتبرها "مغامرة غير محسوبة"! أما الصحفي والنجم
التلفزيوني الإسرائيلي الشهير أمنون ليفي فقد كتب في صحيفة "يديعوت أحرونوت" يقول:
"لماذا لم توافق حكومتنا على البحث في اقتراح رئيس الحكومة اللبنانية؟ وقبل ذلك في
قتراح رئيس الحكومة الفلسطينية؟، خاصة أن الجواب الوحيد الواضح لدي حكومتنا هو أن
الحرب ستنتهي بوقف إطلاق النار، فمتى يحين وقت إطلاق النار من جديد؟"
السؤال الآن هو: لماذا لم نشهد مراجعة
الإسرائيليين لأنفسهم في الأسابيع الثلاثة التي مرت قبل حرب لبنان، حينما كانت
إسرائيل تقصف غزة بشكل وحشي ومستمر دون رحمة ليل نهار؟!. ما هو الفارق بين
الحالتين؟ وما الذي يجعل الإنسان يشهد الجريمة مرة ويلزم الصمت، ثم يتحرك عندما تقع
الجريمة ذاتها للمرة الثانية في مكان آخر؟. الفارق الوحيد هو وضع المقاومة
اللبنانية الأفضل والأكثر كفاءة فقط لا غير. هذا لأن الضمير ويا للغرابة لا يصحو
إلا مع قوة ومقاومة الطرف الآخر. الضمير – ما لم يكن قد تمت تربيته جيدا – ميال إلي
الكسل، وإلي تجاهل الأصوات الخافتة والأنين، والشكوى والتوسل. والضمير هنا لا يبحث
عن العدالة، إنه يبحث عن قوة العدالة لكي يصحو. إن استمرار المقاومة في توجيه
ضرباتها بهذه القوة والتوفيق إلي إسرائيل، وضعت المجتمع الإسرائيلي في دائرة الخطر
ومن ثم أجبرته على مراجعة نفسه، وعلى تخيل أوضاع الطرف الآخر، والمقاومة اللبنانية
بصمودها وبطولتها تساعد على تفكيك الشخصية الصهيونية العدوانية، ونزع الأوهام عنها
لدي أصحابها. ودفعهم لكي يستيقظوا من أحلام الغزو السهل والاحتلال المجاني. لقد
أنزلت المقاومة اللبنانية الشخصية الإسرائيلية إلي ارض الواقع، هناك حيث يمكن
مراجعة النفس.
كانت للكاتب العظيم هانز كريستيان
أندرسن حكاية جميلة عن أميرة اشترطت على عشاقها أن يأتي كل منهم إليها حاملا هدية
عجيبة ليفوز صاحب الهدية الأفضل بالزواج منها. وبعد أن عرض عليها الكثيرون هداياهم
العجيبة من عصفور متكلم، إلي مرآة سحرية، تقدم الأخير منهم نحو الأميرة ضاحكا
وانتزعها من مقعدها وحملها بالقوة على ذراعيه وانصرف. أراد الكاتب العظيم أن يقول
إن القوة هي أعظم المعجزات، وهو ما فعلته وتفعله المقاومة اللبنانية على مرأى من
العالم.










من لإمارات العربية المتحدة