![]() | ||||||||||
| ||||||||||
تبدو الكتابة حول ما يجري في لبنان الآن ، خاصة ما يتعلق بحزب الله ، أشبه بتناول كاتب وجودي لمسألة شرعية عقدية في جريدة ناطقة باسم حكومة إسلامية ، لكن هذا لا يمنعنا كعراقيين من خوض غمار الكتابة من زاوية البوح بمخاوفنا من انعكاسات الحرب الدائرة بين الكيان الصهيوني وحزب الله على الوضع في العراق ، ومؤسف جدا أن تكون لنا وجهات نظر تقترب في جوهرها مع ما صرح به رئيس حكومة الكيان الصهيوني البغيض حول الدور الإيراني فيما يجري في لبنان.
منذ الأيام الأولى لتشكيل قائمة الائتلاف (الحكومة) الانتقالية برئاسة الجعفري ، بدت مؤشرات الفتنة الطائفية جلية للمراقب ، خاصة بعد ممارسات الأجهزة الأمنية لوزير الداخلية السابق بيان صولاغ ، وثبوت ارتباط عناصر وزارته بإيران تدريبا ً وقيادة ً وتمويلا ً ، ولم نكن نضع في الحسبان إمكانية دخول جيش المهدي طرفا في تلك الفتنة إلا ّ بعد تقارير صحفية أشارت إلى تلقيه مساعدات مالية إيرانية بلغت 280 مليون دولار على دفعتين أعقبت تفجيرات سامراء ، وما تلاها من عنف متبادل بين عناصر جيش المهدي الذراع العسكري لحركة الصدر المشاركة في العملية السياسية وفي الحكومة أيضا ً من جهة ، وبين أهالي المناطق المستهدفة أو جماعات مسلحة خارج العملية السياسية من جهة أخرى ، وكان آخرها أحداث حي الجهاد والفضل والأعظمية وديالى وتفجيرات مدينة الصدر والمحمودية والكوفة وطوزخورماتو وجميلة ، وما يعنينا هنا ما بات وكأنه قدر العراق المحتوم بأن يدفع من دماء أبنائه ثمنا لأزمات الآخرين ، حيث تزداد حدة العنف الطائفي في العراق كلما تصاعدت ضغوطات المجتمع الدولي على إيران حول ملفها النووي الذي يسعى قادة إيران السياسيين والدينيين معا ً للمضي فيه قدما تحت أية ظروف ، كجزء من مشروع إيران الإمبراطوري الذي لن تتخلى عنه بسهولة ، ويندرج العدوان الصهيوني على لبنان في إطار هذا الفهم.
لقد تمكن الشعوبيون من استثمار مواقف بعض الحكومات العربية التي أفصحت عن موقفها مما يجري في لبنان بصراحة غير معهودة ، ليشنوا هجوما إعلاميا منسقا على الأمة العربية كأمة وليس كأنظمة ، مقارنين بين الموقفين الإيراني الداعم لحزب الله ، والعربي الذي يوصف بالتخلي عن مسؤوليته تجاه لبنان وحزب الله باعتباره حالة خاصة أشبه بالدولة تتخذ من دولة لبنان جغرافية لممارسة نشاطاتها ، كما تنظر إليه بعض الأنظمة العربية ، ولا ندري ماذا يريد أولئك الشعوبيون من الأمة العربية سوى التعمد في تشويه صورتها ماضيا ًوحاضرا ً، والخلط بينها وبين الأنظمة ، وكأن الأنظمة العربية هي الأمة العربية غافلين عما بينهما من هوّة تعجز الأيام عن تجسيّرها ، ما لم تشهد منطقتنا العربية تغيرات غير محسوبة تطال الأنظمة الحاكمة والوعي الجمعي لأبناء الأمة.
قد تكون هذه هي المرة الأولى في التاريخ العربي المعاصر التي تبدو فيها الأنظمة العربية خائفة بشكل أو بآخر من شعوبها ، رغم أنها المرة الأولى أيضا التي تعلن فيه بعض الأنظمة موقفا صريحا ًيقترب من الصواب حول شأن عربي معقد ، وتتميز برؤية بعيدة النظر تنطلق في تبنيها من الأخذ بالحسبان الأرضية الفكرية للحدث ، ودوافعه وتشابك علاقات الأطراف المعنية وتداخلها عربيا وإقليميا ، ومن الصعوبة بمكان اتهام تلك الأنظمة بالوقوف إلى جانب الكيان الصهيوني ضد المقاومة اللبنانية استنادا إلى موقفها ، الذي يمكن أن يفسر بأنه جاء نتيجة لإدراكها حقيقة ما تريده إيران لنا كأمة مستغِّلة ً كل ّ البؤر التي زرعتها في العراق ولبنان وحتى جزر القمر ، خاصة بعد ان أعاد الرئيس الإيراني الروح إلى مشروع تصدير الثورة الذي تمكن العراق من تأجيله لا القضاء عليه من خلال الحرب العراقية الإيرانية ، ومن حق الأنظمة ان ترتاب من حجم الدعم المالي الإيراني السنوي بمئات الملايين من الدولارات ، وان تتساءل عن المقابل المستحق لهذا الدعم الهائل ، خاصة وان حزب الله حتى في مواجهته الأخيرة لم يتبنى مشروعا يتجاوز الحدود اللبنانية ليصل إلى تحرير فلسطين ، بل لم يستطيع حزب الله ان يثبّت موقفا مطلوبا منه تجاه المقاومة العراقية ، بل اتخذ مواقف اقل ما يقال عنها عدم التأييد ، وذلك لاعتماده نهجا ً فكريا ً يتقاطع فيه مع نهج المقاومة العراقية ، رغم ان ّ العدو واحد في لبنان والعراق وفلسطين ، والمعارك التي تدور الآن في الرمادي لا تقل ضراوة عن مقاومة حزب الله وحماس ، إلا ّ أنها لا تحظى بتعاطف رسمي أو شعبي عربي سياسي أو إعلامي ، لأسباب أهمها ان حزب الله مدعوم من دول عربية وإقليمية ماليا وسياسيا وإعلاميا ، فيما تنعدم وسائل الدعم هذه للمقاومة العراقية ، مما انعكس على مستوى التعاطف الشعبي وفعاليات ونشاطات المنظمات الجماهيرية والمجتمعة ، في حين تعتمد المقاومة العراقية برنامجا وطنيا لا يرتبط بأية جهات أو دول ، ولا ينفذ مخططات وأعمال تخدم أهداف الآخر أي كان ، أو يستخدمها هذا الآخر لتحقيق أهداف تتقاطع مع مصالح أصحاب الأرض التي تدور عليها الصراعات ، ولا تخدم بالتالي شركائهم في الدم والتاريخ والمصير والانتماء من أبناء الأمة الواحدة.
تمكن الشعوبيون ثانية ً من استثمار مواقف بعض الحكومات العربية للطعن بالأمة ، متناسين ان هذه الأنظمة التي صمتت على مأساة هدى غالية في فلسطين ، هي ذاتها التي صمتت على مأساة عشرات الآلاف من أمثال هدى غالية ونور وهدى وفاطمة وعبير في العراق منذ 1991 حتى الآن ، وهي ذاتها التي صمتت على الفتنة الطائفية في العراق منذ عام ونصف ، وستصمت على تقسيم العراق الذي يتم الإعداد له بعيدا عن الأضواء التي اختطفتها الحرب اللبنانية ، حيث أعلن السيد عمار الحكيم بأن ّ مسوّدة مشروع إقليم الجنوب باتت جاهزة للإعلان ، وستصمت حتما على الحرب الأهلية الوشيكة الوقوع في العراق ، والتي يجري طبخها بعيدا عن الأضواء في طهران على نار كاتيوشا حزب الله وصواريخ الكيان الصهيوني.
22 تموز 2006










من لإمارات العربية المتحدة