أ.د. حلمى محمد القاعود
أؤكد ان فيلم عمارة " يعقوبيان " حقق هدفين أساسين أولهما تقديم نفسه
إلى العالم الغربى الاستعمارى بوصفه معبراً عن قضايا الانحلال والشذوذ الجنسى فى
عالم عربى إسلامى يوصف فى أدبيات الغرب الاستعمارى بالعالم المغلق الجامد المعادى
للحرية والمثلية ، وهذا التقديم يؤهل الفيلم لدخول المهرجانات الأوروبية ومن ثم
الحصول على جوائزها.
الهدف الآخر يتمثل فى الوفاء للمنطق الأمنى ، الذى يتبناه
مؤلف الفيلم على مدى عقدين من الزمان ، تجاه الإسلام والمسلمين . فمؤلف الفيلم –
وليس الرواية – يحرص دائماً على أن يكون الإسلام فى حالة عداء مع الحياة والإنسانية
، والمسلم صورة بشرية مشوّهة وفصامية ، تعشق النساء وتشتهى الدم وتستحل أموال الآخر
، وترفض التعايش ، وتحرص على اللحية والجلباب الأبيض والغترة البيضاء .. وإذا كان
مؤلف الفيلم قد حاول أن يعكس حالة من العلة والمعلول بين التطرف وأسبابه تنتهى إلى
خسارة المتدين ورجل الأمن جميعاً ، فتفسير ذلك سهل للغاية ، يرجع إلى إهمال المؤسسة
الأمنية للمؤلف مؤخراً بعد انتهاء مهمته لديها ! وإن كان الإلحاح على تشويه المجتمع
جميعه يمنح الجهات الأمنية شعورا بالراحة ، على أساس أن هذه هي طبيعة الناس التي
لايجدي معها أي محاولة للانضباط الأمني!
الفيلم صفقة تجارية توفّر لها ضجيج
إعلامى صاخب ، جعل حركة الشباك تزداد كثافة وثراء ، وخاصة بعد أن تم استدراج بعض
الأصوات لمهاجمة الفيلم على المستوى الوزارى أو النيابى ، وراح الموالون للشركة
التجارية يستفيدون من هذه الأصوات ، للعزف على نغمة حرية الإبداع ، وحرية الفن ،
والظلامية المعادية للفن والإبداع!
هناك أفلام كثيرة عالجت قضايا الفساد السياسى
والاقتصادى والاجتماعى ، وتحدثت عن وزراء ونواب ومسئولين ، وتكلمت عن فضائح
وانحرافات واختلاسات ورشاوى وانتهاكات واتساع ذمم .. ولكن ذكاء التجار الذين أنتجوا
الفيلم كان بغير حد، حيث حققوا إرضاء الغرب والأمن معاً ، وأتاحوا للمجتمع الإعلامى
وأجهزة الدعاية فرصة لتناول موضوع يجلب لهم المزيد من الثروة ..
لعل الرواية في
أصلها الأدبي كانت أقرب إلى منطق الفن ، وكانت تسعى إلى تقديم صورة أقرب واقع
المجتمع وطبيعته .. ولكن تجار الفيلم آثروا الطريق السهل الذى يجذب الصغار قبل
الكبار ، وهو تقديم صورة " مقززة " – بمعنى الكلمة – للواقع الاجتماعى من خلال
الإغراق غير الفنى فى مشاهد الجنس والشذوذ الجنسى ، بطريقة مباشرة ، مع كثير من
الفجاجة التى تؤدى إلى " التقزز " .. وما بالك بفيلم يصور على مساحة تقرب من ثلث
وقته مشاهد الشذوذ بتفاصيلها الغريبة والمقززة ؟
إن الادعاء العريض الذى يكرره
البعض بوجود هذه النماذج فى المجتمع ، لا ينفى أن المجتمع المصرى المسلم عقيدة
وثقافة ، يكتظ بالملايين التى تكدح وتعمل وتجد ، وتؤمن بالحلال ، وترفض الحرام ،
وتعبد ربها وتصبرعلى الاستبداد وتكره الفساد وتصلى وتصوم وتحج وتدفع الزكاة ، وتعشق
الطهارة فى العبادة والسلوك، وتقاوم لقدر طاقتها وفي جدود إمكاناتها تغول السلطة
البوليسية والفساد .. إنهم مبثوثون فى كل مكان ومجال ، فى الجامعة والمدرسة ،
والحقل والمصنع ، والمحكمة ، والمكتب ، فى القرية والمدينة ... ومن الواقعية أن
يظهر من يمثلهم ويدل عليهم ويشير إليهم ..
بيد أن تجار السينما بصفة عامة ،
تعوّدوا على الاستخفاف بعقلية الناس ، ومن خلال مكرهم الخبيث يفتعلون المعارك
الوهمية ، التى تشدّ الانتباه إلى أعمالهم الرديئة المسفّة .. ويمارسون هذا المكر
الخبيث منذ التفكير أو البدء فى تنفيذ إنتاجهم حتى مراحل عرضه الأخيرة من خلال
الحديث عن مشكلات بين الممثلين والممثلات أو كاتب الفيلم والمخرج ، أو زواج البطل
أو طلاق البطلة ، أو نشوب خناقة بين الممثلة والراقصة .. ونحو ذلك ؟
لقد صار
الإلحاح على العلاقات غير المشروعة بين الرجل والمرأة ، والصفقات الحرام ، والاتجار
بالمخدرات السمة العامة لأفلامناالمصرية ، وصار رواد السينما ومشاهدوها يدركون
مقدماً أحداث الفيلم ويعرفون نتيجته .. لأن التوليفة المعتادة تكررت كثيراً ،
وأصبحت لا تخفى على المشاهدين .. والجديد الذى أضافته عمارة يعقوبيان هو الشذوذ
الجنسى الذى قدمته بوصفه ظاهرة اجتماعية ، وهو بأى مقياس ليس ظاهرة ، وإن كان يمثل
حالات فردية تشمل الوزير والخفير ، تظل محدودة ، وإستثناء نادراً يرفضه المجتمع ولا
يتعايش معه ، وصاحب الحالة منبوذ ومكروه سواء كان رئيس تحرير صحيفة ، أو من حثالة
الشوارع ! هناك مجتمعات يشيع فيها الشذوذ ويمثل ظاهرة ، ولكن مصر تبقى أكثر بلدان
العالم قاطبة نظافة .. ولا ندرى ماالهدف من وراء الترويج لهذه الآفة الخطيرة من
خلال الفيلم ، أو من خلال التغاضى عن سلوكيات بعض الوافدين إلى مصر ؟
نحن نؤمن
بكشف الفساد السلوكى والخلقى ، قبل الفساد السياسى والاقتصادى والاجتماعى بل
والثقافى ، وهو اخطر هذه الأنواع جميعاً .. ولكننا نؤمن أيضاً بتقديم النماذج
المضيئة التى تقدم القدوة والأسوة من خلال عقيدة راسخة وثقافة أصيلة .. أما تجار
السينما الذين يضعون أعينهم على الغرب من ناحية ، والأمن من ناحية أخرى ، فسوف
يخسرون على المدى الطويل .
drhelmyalqaud@yahoo.com














