جريدة مصر الحرة
جريدة الوعي والتفاعل
معادلة الدم والسيف بقلم :إبراهيم أبو الهيجاء

معادلة الدم والسيف

بقلم :إبراهيم أبو الهيجاء

مع اعتلاء  أكثر من أربعين شهيد ومائتي جريج ، واستهداف الآمنين وضرب البيوت والجامعات والكهرباء  .. وقبلها اعتقال النواب والوزراء  المنتخبين ، يتبين أن إسرائيل لديها فقط  خيارات المفلسين على الرغم من أننا قد نعزي أنفسنا فنقول أنّها  مخطّطة ومبرمجة إسرائيلياً  ،  لان الباطن في عقولنا  رسم للاحتلال صورة أكبر من حقيقته ، ولو قال المقاومون لأحد عن خطة ( كرم أبو سالم ) لاتهموهم بالجنون ، هذا هو مقتل إسرائيل أن تظهر لدينا أنها دولة هشة مهيمنة فقط بالكثير من أوهامنا والقليل من خوفنا وبحماية الأقوياء  الدوليين لها ، فإسرائيل مندفعة باتجاه تعزيز الردع في عقولنا الذي تآكل منذ زمن إبان تأكيد الانتفاضة الأولى أن الشعب الفلسطيني شعب حي لا يموت وتعزز ذلك بعد أن جر الاحتلال ذيول هزيمته بين رجليه فخرج من لبنان صاغراً ، وازدادت السخرية من قوة إسرائيل  بعد أن أخرجت صواريخ القسام  البدائية ومجموعات الفدائيين بسيطة القوة والعتاد  إسرائيل من قطاع غزة ... هذه القوة الجريحة التي لم تكد تلمم  بعضاً من كرامتها المهدورة في لبنان وغزة  ، حتى باغتها  فوز المقاومة الانتخابي في فلسطين  ليؤكد لها  أن المقاومة لم تعد خيار مجموعات أو جماعات   لقد أصبح فعلاً خياراً شعبياً ، فقد  سقطت التسوية وتزينّها الكاذب  بالعادلة فأسقط بذلك عنصر الارتكاز الثاني في معادلة بقاء الاحتلال  ،  ولذا ما نراه اليوم في مجازر غزة ونلمس بعضا منه في الضفة لا يدل إلا على غباء صرف  لدولة فقدت كل أخلاق الحروب ، و لم يعد لديها في النهاية إلا هواية القتل  والموت دون تهديف  سياسي  ، لان استمرار القتل الإسرائيلي بهذه الوتيرة الجنونية  لن يعيد الجندي المأسور و لربما تزايد من الأخطار على حياته ، أما إسقاط  حكومة حماس على هذا النحو ، فانه سيؤكد ثبات وقوة شعبية حماس وليس العكس  ،أما وقف الصواريخ  فبعيد المنال ، لان المشكلة ليست بالمدى ولا بالجغرافيا بل بالعقول  المنتجة لمقاومة مبدعة .

 باختصار القوة الإسرائيلية  لن تعيد زرع الخوف في قلوبنا لان  تقدم المقاومة ببعض النقاط  على الاحتلال غدى حقائق  دامغة لايمكن محوها بالضربة القاضية ، فإسرائيل وان كانت تمتلك القنبلة النووية  فإنه  لا تستطيع  ولا يمكنها محو  شعب أصيل يتداخل ميدانيا ويشتبك جغرافيا مع الوجود الصهيوني  لقد جربت ذلك من قبل وفشلت ... لذا على إسرائيل  أن تتعايش مع حقيقة وجودنا التي لا تنبع فقط من حقائق سكانية أو جغرافية أو أخلاقية، بل قوتنا بالأساس سياسية وتنبع من قوة حقنا المغتصب بفعل الاحتلال ، وكل ذلك يجليه  اليوم مشروع المقاومة المغذي  لنقاط التراكم التي حققها ضد وجود الاحتلال  في الداخل الفلسطيني أو الخارج الإقليمي وعليه فلن تنجح أفاعيل السياسية الإسرائيلية المتخبطة تارة نحو الجدار وأخرى نحو التجميع  وثالثة نحو الدولة المؤقتة مرة أخرى في خداعنا، كما لن تفلح  ضربات القوة الناعمة أو الساحقة  في ردعنا ولا تحرير الشجاعة حيث كانت مخاوفنا وأوهامنا .

  إسرائيل تريد عودة عقارب حقوقنا إلى الوراء  أو هي بالأحرى تريد وقف نزف  قوتها وكرامتها وربما بقايا أخلاقيتها ، ولكنها من شدة تسارعها وإفراطها في القوة فإنها تؤدي من حيث لاتدري خدمة للقضية الفلسطينية لأنها  تجدد ذاتنا ووعينا تجاه  مرارة الاحتلال  ، الذي  كاد أن يسكن في عقول بعضنا  ، فانبرى المدافعون ولازالوا عن إمكانيات تسوية ظالمة  ، وعمل الآخرون  بما أوتوا من قوة لتأكيد هدنة تصادر قوتنا دون أثمان  واضحة ، ثم جاء اختبار الديمقراطية الفلسطينية  ليثبت أن هذه  السلطة  في مكوناتها لا تصلح أن تكون نواة دولة ... وعليه فدماء غزة رحمة لنا لأنها أعادت تنظيم الصراع ضد إسرائيل على أساس شعبي وطني وتوافقي  اصلب عوداً وأقوى شكيمة ، ثم هي ذاتها  فضحت أهدافها  فأبرزت حجم المؤامرة على سلطة المقاومة وإرادة الشعب الفلسطيني ، ثم هي ذاتها حمت وحدتنا التي حاول الاحتلال اختراقها بتنازع على امتيازات وهمية .

عموما بقي أن نبشر المثبطين وبقايا الحائرين  فنقول : إن ما يجري في غزة اليوم  انتفاخ وكبرياء إسرائيلي مجروح سرعان ما سيزول ، وهو أمام حلين إما إن يستمر في غيه فيخسر الكثير من أخلاقيته وشرعيته ومنطقه المغرور ، فيخسر التسوية ومشروع السلطة الفلسطينية التي أراد لها أن تكون  بوابته الخلفية وهذا ما لن يرضى عنه الفاعلين الدوليين المنحازين أصلا لإسرائيل لأنهم يحرصون على إسرائيل أكثر من حرصها على ذاتها ، والحل الثاني هو تلجأ إسرائيل بعد أن تدرك إلى رزمة صفقة مع المقاومة على قاعدة الندية  فتقبل بمنطق التهدئة الحقيقي والمتبادل  فتطلق أسرى وتوقف العدوان وترفع الحصار .

بكل الأحوال أياً كان خيار إسرائيل هي خاسرة والمقاومة رابحة لأنها إن اختارت الحل العسكري تكون بذلك قد أسقطت التسوية وبقايا السلطة ، وهذا يجلّي شرعية المقاومة ويعيد للقضية الفلسطينية وهجها  الإقليمي والدولي ، أما إن اختارت إسرائيل الحل الدبلوماسي حيث  الاعتراف بالمقاومة كند فان المقاومة ستربح من الزمن ما سيمكنّها لاحقاً من تحقيق نقاط قوة جديدة ضد وجود الاحتلال وصولاً إلى كنسه وطرده ، وبالمقابل ستقوى شرعية المقاومة ومنطقها السياسي حيث أنها استطاعت أن تترجم فعلها العسكري إلى حصاد سياسي  فتفتح الآفاق للحصار ويفرج عن أسرى ويتوقف العدوان على غزة على الأقل ، كل ذلك ممكن وكلاهما يؤكد أن ورقة المقاومة في كل الأحوال رابحة .



أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية