بعد أن قصف الكيان الصهيوني بطائراته محطة توليد الطاقة وجسوراً في غزة وحاصرها وحشد دباباته من حولها، ليستعيد جندياً أسَرته المقاومة الفلسطينية في عملية ناجحة بددت الوهم أو كادت، قالت إدارة الرئيس جورج بوش: " من حق إسرائيل أن تدافع عن نفسها وعن ومواطنيها". وتلك إشارة معهودة لمباركة الإجرام الصهيوني وعدوانه وممارساته الإرهابية المستمرة ضد الشعب الفلسطيني، وإعلان عن حمايته من أية مؤاخذة أو شكوى أو اعتراض من جهة معتمَدة ومؤثرة عربياً ودولياً هي الولايات المتحدة الأميركية، حامي حمى الإرهاب الصهيوني وراعيته التي تتولى فرض الصمت، وحتى القبول بما لا يمكن القبول به، على أوساط عربية ودولية. واستناداً إلى هذا قال ساسة صهاينة وصحفيون: "إننا لم نسمع اعتراضات عربية على ما فعلناه في غزة، فالعرب إذن مع " إسرائيل " وليس مع حماس.. وهذا واضح من عدم وجود ردة فعل أو اعتراض حتى الآن على ما قمنا ونقوم به منذ أيام."
وهذه ملاحظة صحيحة وجديرة بالاهتمام. نعم العرب الرسميون مع استعادة جندي صهيوني وقع في أسر المقاومة الفلسطينية وبعضهم يعمل علناً من أجل إطلاق سراحه، وكأن لسان حالهم يقول: "لا يجوز أن يغيب عن بيته أكثر من اللازم.. إنه إنسان وله حقوق وله أهل ينتظرونه ويقلقون عليه، ويجب أن نحافظ على مزاجه الطيب فضلاً عن حياته.".
وهم بالتأكيد ومن خلال التجربة والاختبار المستمر منذ سنوات، هم ليسوا مع أكثر من عشرة آلاف سجين ومعتقل وأسير حرب فلسطيني بينهم 800 امرأة وطفل يقبعون في ظلام العذاب النازي الجديد الذي يتقنه الصهاينة أيما إتقان، وترعاه إدارة بوش رعاية مطلقة وتدافع عنه كما تدافع عن معتقل غوانتنامو ذائع الصيت سيئ السمعة.. فتلك قضية عرب وفلسطينيين وليست قضية يهود.؟
في الأوساط المهنية والنقابية والشعبية والجماهيرية العربية لم يتحرك أحد ليواجه ولو بالصوت هذا الهجوم الهمجي على غزة والشعب الفلسطيني والمؤسسات، وعلى الشخصيات في الضفة الغربية والقدس. وفي المخيمات الفلسطينية صمت مطبق غير معهود. وجامعة الدول العربية لم تجتمع ولم تبادر للدعوة إلى اجتماع إلا بعد أن تم التلويح لها بضرورة أن تبادر على الأقل ولو من باب تسخين الوجه ورفع العتب.
نحن أمام مشاهد ستحفظها الذاكرة العربية وينبغي أن تحفظها: دبابات تحاصر غزة، واختطاف لوزراء حماس ونوابها المنتخبين من رام الله والضفة وارتهان لهم، كما اختطف وارتهن قادة فلسطينيون آخرون من قبل من دون أن يرتفع صوت مؤثر، ووساطة عربية لإطلاق الجندي الصهيوني ذي الأصول الفرنسية، وتحرك محموم لرجال من "فلسطين المضادة لحماس" يقولون: إن هناك فراغاً سياسياً حدث ولا بد من رأب الصدع ومعالجة الموقف ـ تم ذلك بعد ساعات من اختطاف الوزراء الثمانية وارتهانهم ـ وقد حانت اللحظة المناسبة لتغيير الحكومة بسبب الفراغ السياسي المشار إليه، وعلى الرئيس عباس أن يستخدم صلاحياته الدستورية، وتلك التي تخوله إياها رئاسته لمنظمة التحرير الفلسطينية، وأن يقوم بواجبه ويلقي بحكومة حماس إلى التهلكة، محمّلاً إياها مسؤوليات ما حدث.. وذلك باسم إنقاذ ما يمكن إنقاذه قبل أن تحل الكارثة. وكأن الكارثة لم تقع من قبل.
لقد كان هناك اتفاق على وثيقة الأسرى وتعديلاتها سوغته ظروف نقدرها، وهذا شأن فلسطيني له ما له وعليه ما عليه.. وقد أخرجنا ذلك من محنة الحرب الأهلية الساخنة، ولكنه أدخلنا فيما يبدو في عمق نفق الحرب الباردة المستمرة بين جهات فلسطينية تريد السلطة.. سلطة أوسلو.!؟
لم أكن مع تولي حماس للسلطة، وقد كتبت ذلك وقلته، لأنني أدرك حجم التآمر وحجم المأزق وأبعاد الالتزامات التي يريدون لها أن تلتزم بها، وخطورة أن تحمل بندقية التحرير على كتف وتبعات اتفاق أسلو وسلطتها على الكتف الآخر في هذه الظروف، وأدرك أكثر أن حكومة حماس التي وصلت إلى أكثرية برلمانية باسم مبادئها وجهادها ومبدئيتها وخدمتها للناس والقضية، قالت أيضاً بأنها ستكون ضد الفساد الذي وصلت رائحته إلى أنوف المانحين كافة وتململت منه أوساط وشكت منه مفاصل السلطة السابقة في مستوياتها المختلفة.. وحماس تأتي لتقول لا لأسلو ولا للفساد ولا لسلطة من أدمن السلطة ولا لتسمية المقاومة إرهاباً ولا للتنازل عن البندقية وحق العودة والقدس..الخ، فهل يقبل الذين أدمنوا السلطة والفساد أن تقطع حماس رزقهم وتأخذ مناصبهم وتحيلهم على لائحة المعارضة؟ وهل تقبل أنظمة عربية معينة أن يصل مقاومون إلى السلطة في فلسطين وهم الذين وقعوا اتفاقيات مع
العدو ويعملون على نشر هذه العدوى ليستقر لهم ما قدموه من سوابق؟ وهل يقبل بوش وأعضاء إدارته والكيان الصهيوني المحتل حماس مقاومة وراضية عن المقاومة ومتربعة في السلطة؟
الإجابة: لا. والقدرة على تثبيت المقاومة سلطة في هذه الظروف وضمن هذه المعطيات الفلسطينية والعربية والصهيوـ أميركية والرباعية والدولية المحكومة أميركياً، أمر صعب إن لم يكن ضمن أطياف دائرة المستحيل.
لقد انقض الكل على حماس، وأصبح الجندي المعتدي الأسير، قضية العرب والعالم، وقضية بعض الفلسطينيين الذي استثمروا ذلك سياسياً، وأخذ المتفاهمون معهم في الطرف الصهيوني يدعونهم إلى القفز إلى المتفق عليه وتطبيق وثيقة جنيف.
إن الظروف تشير بوضوح إلى تواطؤ محكَم ونسيج سام يتمان ضد حماس وسلطتها وضد الشعب الفلسطيني وحول قضيته.
ويهمني أن أتوقف عند واقعة الحصار والعدوان المسلح على غزة وتدمير ما تم تدميره من بناها التحتية، وملاحقة الناس فيها واصطيادهم بالقذائف والطائرات، في ظل صمت مرعب وتواطؤ غريب. وهي واقعة تجعل العربي في حضيض أدنى من أي حضيض وصل إليه حتى الآن، من وجهة نظري، بسبب درجة الاستباحة الصهيونية المطلقة لكل ما يتصل به وبقضاياه، والاستهانة الأميركية المطلقة بدمه وحقوقه وعقله وسلطاته، ابتداء من حياة الشعب الفلسطيني وحقوقه وحرياته ووزرائه ونوابه وقادته وانتهاء بدم العراقيين وما يتصل بوطنهم ووحدة أرضهم والفتنة التي أُشعِلَت بين ظهرانيهم ويُراد لها أن تحرق الأمتين العربية والإسلامية.
أربعة أيام مضت والعرب صَمم وحمْحَمة ووساطة من أجل جندي محتل قاتل وقع بيد المقاومة الفلسطينية التي تدافع عن نفسها وأرضها، ولم يرتفع صوت، وإن ارتفع فصوت سياسي باهت غريب مريب يدعو لحياد بارد ويقول بعقلانية لا تستشعر حال الجسد ولا ألم الجرح ولا معنى الكرامة ولا مبدئية التضامن الإنساني ولا أقول التضامن القومي، صوت يقول: إنه محايد لا يدافع عن الفلسطينيين ولا يريد أن يدافع عنهم، ولكن " إسرائيل" التي تربطنا بها علاقات لا تقوم بما ينبغي من ضبط النفس، إن من حقها أن تستعيد الجندي وأن تحافظ على الأمن وأن يشعر مواطنوها بالاطمئنان.. ولكن..؟!
ما الذي يستطيع أن يقوله المرء في مثل هذه الحالة البائسة التي وصلت إليها سياسة وحصافة وثقافة وإعلام في أمة العرب؟ هل يستنهض المرء الأمة أم يستنهض المقاومة أم يبكي على الأمة والمقاومة معاً؟
ببساطة مطلقة نقول: لا يمكن للشعب الفلسطيني أن يتنازل عن أرضه وحقوقه وحياته من دون ردة فعل ومقاومة للقتل على الأقل، ولا بد من أن يدافع عن نفسه، ومن حقه أن يدافع عن نفسه.. على الرغم من أن البندقية لا توازن الطائرة والدبابة والصاروخ المتقدم وما يملكه العدو من أسلحة فتاكة، إلا أنها سلاحه الوحيد، وبسلاحه الوحيد ودمه وإرادته يقاوم.. فهل المطلوب أن نمنع عنه حق الموت بشرف وندينه، وأن يتكالب العالم عليه لأن الصهيونية والولايات المتحدة الأميركية وعملاءهما من الفلسطينيين والعرب وغير العرب يريدون ذلك؟
نحن أمام وقائع عربية أصبحت شبه مسلمات: معظم الأنظمة العربية تعيش حالة بؤس سياسي وتنظيمي وعسكري واقتصادي وإعلامي وثقافي، وفيها من المتواطئين على قضاياها وقضايا الأمة من أجل الوصول إلى عظْمَة السلطة وزهو ريش الطاووس، ما يكفي لتدمير الروح المعنوية لجماهير واسعة. وهناك تواطؤ يجعل المخيم الفلسطيني ذاته لا يتحرك لنصرة ابن الشعب الفلسطيني المحاصر والمقتول والمقهور في السجون، نتيجة لتفشي أشكال من الفساد والإفساد و"فَتّ" الأموال من طرف يريد السلطة وغنائمها لينحي طرفاً وصل إلى السلطة. ولهذا لا يرتفع صوت مع القضية أو مع الحق أو مع المقاومة والكرامة، ولا ينصر أحدٌ الدم البريء، ولا المرأة والطفل في سجون العدو، بينما يصبح كل ذلك قضية الديمقراطيات الاستعمارية في وطن العرب، وفي مقدمة الذرائع التي يتم التدخل في شؤونهم الداخلية من أجلها.؟
لم تعد فلسطين عربية بالمعنى العضوي الذي يلزم سائر الجسد بالسهر والحمى، ولم تعد قضية قومية ترتب التزاماً على العرب حكومات وشعوباً، ثقافة وسياسة، ولم تعد قضية حقوق ومصير.. لم تعد بيتنا ولا دار أهلنا، ولا موطن مقدس بين مقدساتنا، وأصحنا أصحاب مشاريع بلا طعم ولا لون ولا رائحة، أصحاب مادة بلا روح نخسرها أو يستولي عليها الآخرون فلا نشعر أننا خسرنا حقاً.. أصبحنا نسير في الطرق التي تُرسَم لنا، ولا نخرج عن المدارات التي تخطها أيدي الأعداء لتحدد لنا مسارات تحركنا. من يقول: إن هناك أمة تجبر حكامها على اتخاذ مواقف حاسمة من قضايا حاكمة.. يخطئ، ومن يقول إن على الحكام العرب، في أوضاعهم الحالية ومعطيات العصر من حولهم، أن يُشهروا سلاحهم في وجه من استباحهم .. يخطئ، ذلك لأن حسابات الحكام اليوم "عقلانية.. واقعية إلى أبعد الحدود"، ولكنهم أوصلونا عملياً بتخاذلهم التاريخي المستمر، وقصر النظر الاستراتيجي، والتبعية العمياء، والخوف المتماهي مع الجبن، والتناحر الخائب، أوصلونا إلى حالة من الضعف تجعل حسابات المواجهة خاسرة بالمنطق العقلاني.. وتجعل منطق الاستكانة والذل
عقلانياً وفق مقاييس الضعفاء واستراتيجية: " خيارنا الاستراتيجي الوحيد هو السلام، ولا خيار آخر لنا مطلقاً، وسنبرهن للعالم في كل يوم على مصداقيتنا في هذا المجال.". إنهم لم يبيحوا لأنفسهم حتى التفكير في امتلاك قوة لحماية السلام الذي ينشدون. وقد أمسك عدوهم عليهم ذلك واستمر في التسلح وتطوير القدرات القتالية والعدوان والقتل لينفذ استراتيجيته مختبراً استراتيجيتهم.. والنتيجة خسائر واستهانة ودمار ودماء وموت يكاد يصل إلى نهايات الروح والإرادة.
لم يقل نظام عربي بضرورة أن نبني قوة ونحرر السلاح والإرادة والقرار.. ويبدو أن أحداً لن يقول ذلك. الزمن مفتوح والأفق مفتوح والبيت العربي مفتوح أمام كل من يريد أن يغزونا حتى في عقر دارنا."؟ يا للموت المعنوي الرهيب!؟
المقاومة قالت بامتلاك القوة والتصدي للعدو المحتل، وهي تسعى لامتلاك قوة ما.. من صاروخ القسام إلى كاتيوشا حزب الله.. ولكنها لا تملك أن تردع طيران العدو عن اختراق الأجواء واصطياد المقاومين والمدنيين في هذا المكان أو ذاك حيث توجد مقاومة أو يوجد صيد ثمين. المقاومة قالت بامتلاك القوة وتحرير السلاح والقرار والإرادة والتصدي للمحتل ولكن الأنظمة لم تقل ذلك وقاومت المقاومة.
إن المرء يبدو مشوشاً وهو يخوض في هذا النوع من الوقائع والمعطيات والتساؤلات والاستراتيجيات المتناقضة.
والخلاصة: الرأي العام العربي غير موجود، والسياسة العربية في جيب أعداء الأمة، ومشاريع الاستراتيجية العربية غائبة ومغيّبة، ومطلب التضامن العربي حتى في أدنى درجاته صار أحد أحلام المتمسكين بمستقبل عربي منشود.
فيا له من زمن عربي رديء.
علي عقلة عرسان














