
|
تدرك أن تلك الورقة من أهم وريقاتها وأن حفيفها الرقراق ينبأ بموعد آخر تنتظره منذ أشهر .. تلتقط باقي الأوراق وترتبها ترتيبا عكسيا وكأنها تأمل بالعودة إلى الوراء.
تغمض عينيها وتسرق من هواء غرفتها كمية كبيرة من الهواء لتدخله داخل رئتيها الصغيرتين المحصنتين بنهود محنطة .. وكأنها لم تستنشق هواء من قبل ..
يعلن زفيرها البطيء عن التلكع في الخروج .. تكسر لحظتها رنات هاتفها الأرضي برنين متواصل .. يمنعها من أخذ كمية أخرى من الهواء .. تسرع نحو الهاتف بشغف .. وتشد عضلات الفرحة وجهها وتقوس شفتاها لأعلى ثم ترفع السماعة وهي مغمضة العين وتقول لزمتها الهاتفية ( السلام عليكم.. من معي ) لم تلتقي ردا .. تفتح عينيها وتلمع ويتحول قوس شفتيها للأسفل مطبقة أسنانها على بعضهم البعض وتظهر ثلاثة خطوط طولية بين حاجبيها وقد ارتفعا فجأة .. فتعود لصياغة لزمتها في غضب ( السلام عليكم ) من معي ؟؟؟ّّّّّّّّ!!!!!
إذا لم ترد سأضطر غير آسفة أن أغلق الخط !!
تشعر بأنفاس خافتة لكنها متلاحقة والتي أعطت لها دلالة على أن المتحدث كان مهرولا حتى وصل للهاتف .. وأن هناك بالفعل شخص يريد التحدث . تحتضن الهاتف بحنان الأم وتغمض عينيها لبرهة ثم ..لم تدم لحظات حتى سمعت صافرة متقطعة تعلن عن انفصال الخط ..
تلتف برأسها في ميل التعجب... من هذا .. ماذا يريد ..
يسدل الليل ستائره .. ويحين آذان العشاء فأومأت برأسها كاستجابة مباشرة فذهبت لأداء الصلاة .. في وقت تسليمها عاود الهاتف للرنين .. توترت بعض الشيء .. عله من انتظره أو عله الآخر .. تسرع بلهفة على هاتفها ( السلام عليكم .. من معي)؟؟؟
تكررها مرات تلو المرات دون مساحة لسماع الرد .. وتصمت .. فتسمع نفس العبارات
- ( السلام عليكم .. من معي)
تتعجب وتقول في غضب .أنت من اتصلت فمن الأكيد أنك تعرفين بمن تتصلين .. ولكن كيف لي أن أعرف من أنت؟
من السخافة أن ترد على كببغاء .. إن لم تجيبي سأغلق الهاتف ..
ترد المتحدثة : أولا كل عام وأنتي بخير ..
- وأنتي كذلك .. شكرا .. من أعلمك هل تعرفينني ..
- نعم ..
- ولكنني لا أعرفك !
- أنتي صادقة و تلك مشكلتك
- لو لم تخبريني بما تريديه سأضطر لغلق التليفون لأنني
تقاطعها الحديث وتكمل لها .. لأنك تنتظرين محادثة شخص آخر ..
- نعم ومن أعلمك ؟
- لا عليك فلن يتصل .. ولا تسأليني عنه فليس بيني وبينه سابق معرفة ..
- إذاً لماذا تقررين ذلك ..
- هذا ليس بقرار ولكنها الحقيقة التي تخفيها أنتي
فتقاطعا ليس هذا من شأنك . وشكرا على تخميناتك .. وعفوا فأنا لا أطيل مع شخص مجهول بالنسبة لي
- حسنا سأنتظر مخابرتك أنتي في المرة القادمة ..
فتنظر لشاشة الهاتف الرقمية فلم تجد رقم .. فتقول لها في استغراب .. أهذا رقم خاص ؟
لم تظهر أية أرقام عندي
تضحك وتقول لا يهم .. ستعرفين طريقة الوصول إلى حين تريدين ذلك ..
- وهو كذلك مع السلامة . ..
- مع السلامة
يعود صفير الهاتف المتقطع يعلن لها عن انفصال الخط ..
تيئس من الانتظار .. تتمدد على سريرها ويديها تزلزلا سريرها النحاسي القديم والذي أبى الزمن أن يكون غيره معها في الغرفة .. تشرد تغيب عن الوعي .. وفاجأها الصباح بدقات على بابها .. تستيقظ .. وتسرع في لبس عباءتها وهي في طريقها للباب ..
تفتح الباب فإذ بساعي البريد يحضر لها رسالة ..
تشكره وتغلق الباب وتسرع نحو غرفتها وتنزع طرفي المظروف فتسمع حفيف الورق كأنه يستصرخها لم ترأف به ... فتشقه وتستخرج من داخله الرسالة ..
نأسف على قطع الخدمة لليومين السابقين بسبب عطل مفاجئ ونعدكم بإيصال الخدمة في ظرف 24 ساعة من الآن ..
الهيئة العامة للاتصالات والهاتف.
حسين راشد |
قصة بقلم: حسين راشد
حفيف
أوراقها المعلقة تجذب انتباهها بشغف.. تدنو نحوها في ذهول وتأمل . وكأنها
تترقب موعدا .. الأرقام اللاصقة على الأوراق تفيدها بما تنتظره .. إنه
ذكرى ميلادها الخامس والثلاثون .






said:



من لإمارات العربية المتحدة