أخذ الكثير من المحللين هنا يتحدثون في الاونة الاخيرة عن امكانية ترك الجيش الامريكي للعراق، وبعد ذلك يتم توجيه هذه الفوضي كلها باتجاه اسرائيل. ووفقا لمثل هذا التوجه، فان الفوضي العنيفة التي يشهدها العراق الان سوف تنقلب الي قاعدة لتنظيم القاعدة ليعمل ضد اسرائيل منها بعد انسحاب القوات الامريكية.
ولعل العكس هو الصحيح؟ ألعل الحل الامثل للاستقرار داخل العراق، وبالتالي بالنسبة لاسرائيل ايضا، هو بالتحديد الخروج المتسرع للجيش الامريكي؟
توجد في العراق الان حكومة جيدة. ومن خلال سيطرة شيعية وبتعاون وثيق مع الجالية الكردية، فانها تعكف علي اقامة جيش، شرطة، قانون، ومحاكم وأجهزة وطنية شاملة جديدة. ان هذه الحكومة تعاني كثيرا من هذا الارهاب المتصاعد والقوي فيها، ومقابل هذا الارهاب يقف الجيش الامريكي دون أن يحقق أي نجاح ممكن ومعقول. ان التفسير الوحيد المقبول في هذا الامر، هو أن الجيش الامريكي هو الذي يقف ويتصدي لهذا الارهاب لصالح الحكومة العراقية الجديدة. والحقيقة المؤسفة هي أن الجيش الامريكي هو الذي يكبح جماح الحكومة العراقية بالذات في حربها ضد الارهاب.
الامريكيون مجبرون علي ايجاد نظام (حكم) قانوني، واجراء اعتقالات منظمة، والحفاظ علي سجون نزيهة، ولذلك، فانهم يشددون علي ذلك ولا يتنازلون عن المعايير، ولا سيما منذ الكشف عن فضائح سجن ابو غريب. ولذلك، فانهم مجبرون علي اجراءات قضائية منتظمة، وهو الامر الذي يحتاج الي الكثير من الوقت. وهم يعملون الان وفق معايير واجراءات معدلة ويمكن الدفاع عنها، وهذه الفجوات اصبحت جيدة بالنسبة للارهاب كي يستغلها، بحيث يستغل هذه الاجراءات الغربية السليمة ويتعامل معها علي أنها ضعف.
فاذا ما خرج الامريكيون، فان النظام العراقي الجديد سيعود فورا الي النمط (الشرق أوسطي) المقبول في هذه المنطقة، ضد الارهاب وضد المعارضين. وبذلك، فان احتمالات استقرار العراق ستزيد كثيرا، ولذلك، فطالما أن الامريكيين موجودون في العراق، فان الرغبة والتطلع الي الاستقرار لا تخرج عن نقطة الصفر. فحين يستولي علي الدولة نظام عدواني وقوي، فان قوي الارهاب ستفهم جيدا بان مرحلة الفوضي في ظل نظام القانون قد انتهي زمنها. ماذا يشبه هذا الامر؟ في سنة 1883، اي سنة واحدة بعد أن قام البريطانيون باحتلال مصر، اقاموا هناك جهازا قضائيا ومحاكم علي الطراز الغربي، وبقانون غربي وخصوصا في المجال الجنائي وتم ادخال الاصلاحات اللازمة علي قانون العقوبات القديم والذي كان ينفذ من قبل اجهزة وادارات متشددة، كانت تخلط ما بين الانظمة الوضعية والشريعة الاسلامية وبذلك رأت في القوانين الغربية شيئا غير مقبول. النتيجة التي حدثت جراء تلك العملية البريطانية، هي أن العنف تصاعد واحتد وبات يشكل اكثر من مجرد مشكلة مقلقة للسلطات هناك. فجماهير كبيرة من المصريين، من الذين كانوا معتادين علي الاسلوب والطريقة القديمة في القانون وتنفيذه، كان هؤلاء مسرورين بتقبل نظام وقوانين يمكنها الاستمرار. الا أنها كانت مؤلمة للاخرين مما دفع جماهير كبيرة لمعارضتها بعنف كبير ودفع ببريطانيا الي الغاء هذه القوانين سنة 1889 والعودة الي الاساليب القديمة.
ان سنة 2006، ليست مثل سنة 1882، ومع ذلك لا بد من أن نتذكر ونذكر، بانه لم تكن توجد في العراق ديمقراطية ولو لثانية واحدة منذ أن قامت الدولة العراقية الحديثة. فهناك يبدو أن وجود أجهزة قضاء وحكم منظمة وصحيحة تعمل بموجب القوانين حالة نادرة.
ومنذ ان حاول الرئيس الامريكي بوش دعم الديمقراطية في عملية سماها دمقرطة العراق ، كانت هذه سببا لهذه الفوضي التي حلت بالعراق وكذلك الحال في ما جري في السلطة الفلسطينية، حيث ان الديمقراطية هناك كانت سببا في ولادة نظام وسلطة حماس، والتي لا تعترف حتي الان، بعد أن وصلت الي السلطة، بالديمقراطية.
فما العمل؟ هناك حالة من الفوضي والتعارض تسود العالم العربي ما بين الديمقراطية واستتباب الاستقرار. وبمعني آخر، بل بتفكير آخر وبنصف ابتسامة، ربما من الجائز ارجاع صدام حسين الي الحكم في العراق. وفي نظرة الي الوراء يتبين ان صدام، حتي بالنسبة للامريكيين، قام بعمل لا بأس به علي الاطلاق.
غي بخور
اكاديمي متخصص بالشؤون العربية والاسلامية
(يديعوت احرونوت) ـ 26/10/2006














