جريدة مصر الحرة
جريدة الوعي والتفاعل
فتحي الشقاقي بين الرمزية والرؤياوية بقلم : عبد ربه محمد سالم اسليم

فتحي الشقاقي بين الرمزية والرؤياوية

قراءة بنيوية

عبد ربه محمد سالم اسليم

قطاع غزة – فلسطين

Isleem61@hotmail.com

من البنا إلى الشقاقي / سؤال الفعل الجهادي الحضاري

     قبل قرنين من الزمن دخل الاستعمار الثقافي – أو ما عرف بالتغريب  أفق الدولة الإسلامية أو الخلافة الإسلامية , فهبت الأمة تدافع عن عقيدتها , وحضارتها , وروحها الوثابة , وعلى هامش المجتمع ظهرت تيارات تغريبية عميلة للغرب مبهورة بتقدمه الصناعي , وما يطرحه من أفكار تحررية تبشر بأفكاره الصليبية .

منذ لحظات التماس الأولى لم يتوقف الغرب عن محاولاته الخبيثة لتدمير الإسلامية عقيدة , ومنهج حياة , ومحاصرة مده الشعبي والجماهيري , ولكن مازال يشدنا الحنين إلى الإسلام العظيم , فهو الأنموذج والفعل الحضاري  الخلاق .

     إن الانحياز إلى الإسلامية ليس اختيارا لفظيا ينتهي عند ياءه , بل هو حساسية تجاه الإسلام العظيم على أس أنه منهج حياة , ونمط سلوك , وتصور مجتمع , وثقافة شمولية , لذا مازالت الهجمة الغربية مستمرة على أشدها , وإن كانت بدأت تنحسر على بعض الجبهات في ديار الإسلامية بفضل التفاعل الفكري , والحركي , والجهادي على كافة المستويات المجتمعية والمعيشية .

ونحن في هذه القراءة سنحاول الولوج إلى السؤال – سؤال الذات المعرفي في إطار الرؤيوية الشمولية لآفاق الإسلامية , وهذا يعني ببساطة محاولة الشقاقي تفجير السؤال في أوساط الحركة الإسلامية بكل أبعاده الفكروية , والمعرفية , والمنهجية , والحركية على كافة المستويات الشمولية .... وهذا السؤال نحو الفعل المعرفي المنهجي لا الترف الانفعالي , وبالتالي الدخول إلى السؤال على أرضية التفاعل الأصولي والحضاري  بما لا يجعلنا نفقد توازن الرؤيوية نحو عالمي الغيب والشهادة .

     ولد المفكر الإسلامي فتحي الشقاقي رضوان الله عليه من رحم هذا السؤال الجهادي , بل كان السؤال بعينه مقدما قراءاته النصية ورؤيويته للعالم من خلال مركزية القضية الفلسطينية  , ومركزية الهجمة الغربية الحديثة والمعاصرة على عالمنا الإسلامي , وهنا زاوج بين التنظير والممارسة , أي الفعل الجهادي التقدمي بالرؤية النصية لسؤال الأنا والمرحلة . منذ الإمام الشهيد حسن البنا رضوان الله عليه وحتى هذه اللحظة التاريخية  والفعل الجهادي يتصاعد في فضاءات العالم الإسلامي , ويتصاعد كذلك على أرض فلسطين – مركزية الصراع الكوني وإن تذبذب بين الاصطدام العنيف وبين التربوية الشتوية الخلاقة !!! , حيث دفع الإمام البنا – رض - بكتائب الإخوان للاستشهاد على تراب فلسطين الطاهرة المقدسة . 

     ومنذ الثمانينات , والمفكر الشهيد فتحي الشقاقي يتحرك على تراب الوطن المحاصر والمحتل يبشر بـ" وعد الآخرة " , ويسعى إلى خلق أنموذج جهادي تقدمي ثوري يتبني النهج المقاوم المقدس , ويضع ذلك على رأس سلم الأولويات كعقيدة وتاريخ , وبخاصة أن فلسطين آية في كتاب الله عز اسمه وليس على أساس ردة الفعل السياسي الآني أو الغريزي الاجتماعي أو الإفتصادي أو الاقتصادي السياسي , بل ينبثق من منطلقات فكرية قرآنية ودراسة إسلامية ثورية للتاريخ المنطلق من غار حراء إلى بيت المقدس بدفعته الإيمانية عبر تذبذباتها التاريخية الضاربة بجذورها الأصولية في النور الإلهي عبر منظومة تصاعدية يتناغم فيها القرآني , والتاريخي , والواقع .

     كان يتحدث بلغة بدأت للوهلة الأولى غرائبيتها في أوساط الإسلاميين التقليديين الذين دفعوا بثقلهم التاريخي لملاحقة الحدث المعجز الانتفاضة الأولى ...

     إن الشهيد الشقاقي كان يمثل " نظرية ثورية " تقدمية و " رؤيا " جهادية حضارية على مستوى تجليات المرحلة حتى فجرت رصاصاته الأولى الانتفاضة المباركة الأولى ... والحق أنه أطلق الانتفاضة من عقالها بعد أن كانت تعتمل في قلوب شعبنا الفلسطيني  .

     أقول أطلقتها من عقالها نحو الثورية المعجزة ... كان يخترق الوعي الإسلامي والإنساني بثوريته الحضارية المعجزة عبر رؤيته الكونية وثقافته الموسوعية وتأسيسه للإبداع الجهادي الحركي , ومتابعته ليل نهار حتى صعد إلى الله شهيدا مكرسا نظريته في واقعنا المواجهي عبر الانتفاضة الثانية – انتفاضة الأقصى التي آتت أوكلها باندحار العدو الصهيوني من قطاع غزة .

     ما نستبطنه من قراءتنا الأولى لهذا المسار – اللحظة هو امتداده للإمام الشهيد حسن البنا , وللمعلم الشهيد سيد قطب حيث كان يستلهم تراثه ومنهجيته وحركيته ... يسعى جاهدا عبر منهجيته ودمه إلى تقديمها كأنموذج طليعي تقدمي مميز على كافة الصعد عبر قراءاته القرآنية والتاريخية , وقراءاته المتعدد - " في ظلال القرآن " وفي  " معالم في الطريق " الكتاب النوراني الشهير الذي دفع المعلم سيد قطب دمه ثمنا له في مواجهة الطاغية عبد الناصر - وقراءته للواقع المجتمعي والمعيشي .

إن المفكر الشهيد الشقاقي كان يمثل خط البداية , والتأسيس , والانطلاق , وخط الفعل الجهادي ورؤيته الحضارية . لقد نجح بامتياز في تشخيص أزمة الأمة  أو ما أسميه بالتفكيك , وتطوير أدواته المعرفية , والحركية لمواجهة الهجمة الغربية عبر مواجهة هذا الكيان السرطاني إسرائيل , ونجح في تطوير المعرفة النصية , والتاريخية إلى مستوى المواجهة – الانتفاضة الأولى عبر رؤيوية نقدية أنموذجية تقدمية حتى أصبحت الحركة الإسلامية جزء من البنية العالمية تتفاعل في قلوبنا , وتتكرس في سلوكنا , ومنهج معيشتنا دون أن تفقد قوة الطرح بل تتعزز عبر عملياتها الجهادية المستمرة , وتطوير بنيتها الحضارية , وبالتالي أبدع على مستوى اللحظة الحضارية التي عايشها على مستويات النص – القرآن , والتاريخ , والرؤيا , والواقع , والثورة من خلال سؤال النقد والأنموذج الطلائعي التقدمي ....

الشقاقي وزمن السؤال والاستكشاف

     منذ نهاية السبعينيات وبداية الثمانينيات كان يتحرك في الوسط الطلابي كمطر ينهمر في فصل الخريف ... باحثا عن ذاته الإسلامية وعن ذاته الحركية , يقرأ النص القرآني كما أنزل أول مرة , ويسافر عبر التاريخ لاستكشاف ذاته الممتدة من غار حراء إلى وعد الآخرة ليؤسس لمرحلة مستقبلية طلائعية , فكان :

1-  زمن السؤال .

2-   زمن الاستكشاف .

3-   زمن الإشراق والنضوج .

لامتلاك الهوية الإسلامية الثورية الحضارية وامتلاك مسلك الانتماء , فكان يؤكد على نبع الحنين للإسلام في قلوب الجماهير المغيبة  , والتي كان ينظر إليها البعض كـ" قطيع غنم " , والبعض الآخر كـ" كفار "  خارجين عن ملة الإسلام .

     إن المفكر الإسلامي الشهيد فتحي الشقاقي حاول الدمج بين النص القرآني  , وحركة التاريخ لتشكيل فضاء حداثي حركي متكامل كطرح  , وكمفهوم  , و كفعل ثوري تقدمي يتجاوز الفهم الكلاسيكي السائد – آنذاك - في أوساط الحركة الإسلامية في مسألة الفكر , والإبداع الحركي  , والثقافي , فكان يسافر في الموروث الثقافي ليعود محملا بنور المستقبل " وعد االآخرة " .

إن الحديث عن الشهيد سيظل دائما ملغوما بسؤاله الشخصي  , والحركي  , والباحث عن ذاته وطنيا , وعربيا , وإسلاميا عالميا .

     بدأ بممارسته الحركية خارج الفضاء الكلاسيكي للحركة الإسلامية بل الرائد في طرح هذا المصطلح , فتحسست فيه , ورأيت " الوهج الإسلامي " , فلم يكن توفيقيا , بل كان يبحث عن التفرد , والأصالة  , وشمولية الوعي لفضاء الحركة الإسلامية ( إننا لا نريد حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين رقما آخر على الساحة الفلسطينية وإلا ما تجشمنا ولا تحملنا عناء القيام والنهوض والاستمرار والشوك تحت القدم والجمرة في اليد ) .

إن الشهيد الشقاقي أفتتن بالإمام الشهيد حسن البنا , والمعلم الشهيد سيد قطب , والمفكر الإيراني على شريعتي , والمفكر الجزائري المسلم مالك بن نبي , وتأثر كذلك بالمفكر الإسلامي السوداني أبو القاسم حاج حمد – رح - وبخاصة كتابه الطليعي الفذ " العالمية الإسلامية الثانية " , الأثر الأكبر في حياته كان الإمام الخميني رضوان الله عليه حيث سحره وأسره المد الإسلامي الثوري الذي صنعه الإمام على أرض إيران العزيزة , ليشكل ذلك حليفه الإسلامي الطبيعي , فذاب في شعارات الثورة , وفي خطب الإمام حيث قام بطباعتها في فلسطين لينهل منها الشباب روح الثورة المتوقدة ويتشربوا روح العمل الثوري الناهض – يوم ذاك – في إيران الإسلام .

     لقد شكل المفكر الشهيد الشقاقي – رض - إضافة نوعية إلى الخط الجهادي فأحدث توهجا ووهجا في البنية الثقافية الفكرية الكلاسيكية التي كانت مهيمنة على ساحة العمل الإسلامي , وكذلك على الساحة الثقافية فكان ومضة فجرت الوعي الإسلامي بانحيازه إلى النص القرآني  , والوعي التاريخي الأصيل فشكل حضورا ثقافيا من مجلات ونشرات وجمعيات , فكان زخما استثنائيا  , وخرقا للمفهومات السائدة , لذلك تولد تيار شبابي , و طلابي جامعي حداثي على امتداد الوطن عرف في الوسط الطلابي بالمستقلين . أقول هذه الطليعة الطلابية كانت تستلهم النص القرآني كما أنزل على الرسول – ص –  , وتعيد قراءة التاريخ عبر الأصالة والحداثة متسلحة بالوعي الثوري التقدمي الجديد الذي رسخه في قلبها , ووعيها بالنسبة للقضية الفلسطينية التي شكلت مفهوما ووعيا , وثورة .

فتحي الشقاقي ومسائلة النص القرآني

     المفكرون يؤسسون لعالم فاضل قائما على المعرفية الرأسية والأفقية , يقترحون رؤى لممارسة أفكارهم وحركيتهم , وهي كينونات متعالية في الكونوي سعيا للخروج عن الطور الكلاسيكي والنزوع نحو المتعاليات الشعبوية المحملة بالنبوءية والقرآنية متمثلا في النصية عبر وعي لإشكال الذاتوي والموضوعي ليمنح المجاهد والفرد حضورا نسقويا في الوعي المهيمن " عبادا لنا " ... " ليسيئوا " ... " ليدخلوا " ... " إن عادوا فعدنا " ... نحو التمرد على النمط الكلاسيكي للقراءة النصية والعمل الحركي .

     فتحي الشقاقي مفكر رؤياوي ما فتئ يمنحنا التاريخ , وعمق الرؤيوية القرآنية لسؤال المرحلة الإسرائيلية ومنهجية الإسلام في تشكل عرفاني مضيء كما في الحلم والرؤيا . قراءاته هي حصيلة تلاقح عبقري بين القواسم المشتركة بين السنة والشيعة . نشأ في بيت متواضع حيث ولد في مخيم رفح للاجئين عام 1951م , وكان أكبر إخوته , نشأ ناصري التوجه منذ كان عمره ستة عشر عاما حيث درس في جامعة بيرزيت بالضفة الغربية وتخرج من دائرة الرياضيات , وعمل في سلك التدريس بالقدس في المدرسة النظامية . في تلك المرحلة كان يميل إلى التأمل الحركي فانعكس ذلك على توجهه الإسلامي حيث انخرط في صفوف الجماعات الإسلامية أثناء دراسته للطب في جامعة الزقازيق في جمهورية مصر العربية , وتعرفه على بعض الرموز المهمة في العمل الطلابي الإسلامي الثوري . اختلف مع خط الإخوان المسلمين  , فأسس مع مجموعة من أصدقائه حركة الجهاد الإسلامي في أواخر السبعينيات .

     ومع انتصار الثورة الإسلامية في إيران بقيادة الإمام الخميني – رض – تقاطع برؤيويته وثقافته مع خط الإمام , وأدهشه هذا الحضور المكثف للجماهير في نهوض الثورة التي خرجت عن السرب والمألوفية لتشكل لديه حالة من الانبهار من الاندفاع الجماهيري والشعبي باتجاه الإسلام العظيم على خطى الأصالة والثورة , فكتب كتيبه المشهور " الخميني , الحل الإسلامي والبديل " حيث أعتقل على خلفية صدوره في عام 1979م ليطلق سراحه ثم يعاد اعتقاله في 20 / 7 / 1979م بسجن القلعة لمدة أربعة شهور .

     إن المفكر الشهيد فتحي الشقاقي واحد من المفكرين القلائل الذين مارسوا الرؤيوية النصية والنبوءية لإدراك سؤال المرحلة ووعد الآخرة , فهو من جيل انفتحت عوالمه على مرحلة مشبعة بالهزيمة – المرحلة الناصرية والخيارات اللاإسلاموية الساداتية , وفضاءات جهادية أسست الكثير من ملامحها علي أس جهادي تقدمي – وعد الآخرة لمواجهة سؤال الزمنية كطرح معرفي حركي على مستوى التأسيس والانطلاق والممارسة .

     لقد طرح الشهيد فتحي الشقاقي مشروعه الإسلامي الثوري في أواخر السبعينيات وبداية الثمانينيات بشكل مكثف في مجلة المختار الإسلامي ومجلة الطليعة الإسلامية ليكشف عن دراية لطبيعة المرحلة ورؤيوية مستقبلوية . ربما هذه الكرزيما وضعته في طليعة مفكرو مجايليه الباحث عن وجوده الإسلامي والمسحوق تحت حرب العسكرتاريا التي دفعت الأمة إلى الوهم كبر الأكاذيب والترهات ... بحق وضعته في سياق معرفي متطور رؤيويا وبيانيا خاضعا للنص المقدس !!! ....

     من خلال أدوات معرفية نصية رائعة , وعبر شفافية الكشف والإلهام مد جسور التثاقف الحركي ما بين المشهد القرآني الثقافي والمشهد القرآني الحركي ...

     كان يسعى من خلال قراءاته إلى أن يستوعب الكونوية عبر النص القرآني والحركية الروحية الثورية لتتحول إلى رؤيوية جهادية طلائعية حضارية تسعى إلى أن تشكل النقيض الأساسي لهذا الكيان السرطاني – إسرائيل , فغرد خارج السرب الكلاسيكي عبر إبداعه لنموذجه الجهادي الحضاري الجميل ...

في رحلة مسائلة الموروث الثقافي الإسلامي لاستخلاص جينيات قرآنية معاصرة قادرة على التفاعل ألانسجامي مع متطلبات المرحلة الحركية الجهادية بما تمنحه هذه القراءات الواعية والذكية من تجل لـ " وعد الآخرة " مفجرا للشرط الذاتي / المعرفي وللشرط الموضوعي الاجتهادوي على أساس التجربة الانفتاحية على القرآن لمواجهة أبجديات المرحلة من قيم روحية ووجدانية , وتقنيات حركية قادرة على الاستجابة لمتطلبات الشباب الإسلامي  كأطروحة وكفعل جهادي أصيل ! ....

     من أسس التثاقف الحركي عند الشهيد الشقاقي - رض - :-

1 – القراءات القرآنية الحية .

2 – تقنيات تجسيد القرآن في منظومة حركية تفاضلية تكاملية .

الشقاقي والروحانية

     إن الشهيد الشقاقي من النماذج التي تجعل المجاهد يقف أمامها كأنموذج باذخ في العشق الإلهي , والتألق الروحاني , والصفاء الفكري , وهو مؤشر على عبقرية الزمان والمكان , فكان يرى العالم الداخلي والخارجي ضمن رؤيوية كونية تتسع للزمن الفلسطيني , وتمنحه بعدا موضوعيا بين تاريخ الآن المجاهدة والثقافي في علاقته بذاته وبمحيطه العربي والإسلامي وأفقه الكوني , وبالتالي كانت الفكرة والنظرية فعلا حركيا ونهجا كونيا حقق اندفاعات نورانية تسمح بإمكانية النهوض الثوري المستمر على خطي الإمام الحسين – ع – ودرب الشيخ الشهيد المجاهد عز الدين القسام – رض - رافعا شعار " المجاهد خمر دمه " – " أعراس الدم والشهادة " , وهذا يقودنا إلى العلائقوية المجاهدة التي تكمن في حركيته نحو السمو الروحي في بعده اليقيني – السماء , وبعده الأرضي المقدس – المحشر من موقع شاهدي استشهادي ... موقع الشاهد والشهيد ... " عبادا لنا أولي بأس شديد , فجاسوا خلال الديار وكان وعدا مفعولا "  فكان الشهيد الشقاقي يمثل :

1 – التساؤل لأول مرة وبوضوح عن معنى أن تكون مسلما ثوريا وحركيا مجاهدا في زمن استبدل الأصول بالهوامش والتفريعات .

2 – المراهنة على العمل الحركي الثوري ضمن منظومة ثقافية تسعى للتواصل بين القرآني والتاريخي .

3 – فلسطين قلب الأمة العربية والإسلامية – مركزية القصية الفلسطينية من منظور عقائدي وتاريخي وواقعي - , وهي واقعها ومستقبلها .

الشقاقي وثقافة الاستشهاد

     منذ انبعاث شرارة الانتفاضة المباركة – على يديه الكريمتين - تعانق القرآن مع التاريخ في حركية إلهية صاعدة نحو وجه الله , وبوابات القدس حيث انطلق الشهيد الشقاقي – رض - يغذيها بعطشه , وجوعه , وصرخاته الإلهية الثورية , وبالتكبير , وبالتحميد ( سأبقى معكم أفديكم وأفدي هذا النهج المقدس بدمي وبكل ثواني عمري وجهدي الذي لن يفتر ) داعيا الأمة – كل الأمة إلى الانحياز إلى الشعب الفلسطيني المسلم بعد أن توكل على الله وبدأ في مواجهة الدبابات الإسرائيلية بحجره المقدس وصدره العاري يدفعه إيمان عميق بإمكانية التحرر الوطني الإسلامي .

     مما يذكر للشهيد الشقاقي محاولاته المستميتة للحفاظ على الانتفاضة المباركة من الانزلاق إلى السياق الرسمي للأنظمة العربية ولخط منظمة التحرير الفلسطينية التي حاولت وبكل خبث إلى إخمادها عبر توقيعها على اتفاقيات الذل والعار – اتفاقات أسلو .

     إن الشهيد الشقاقي – رض – كان دوما يؤكد على خيار التحرر الحقيقي الذي ينبع من إيمان الجماهير بعظمة هذا الدين العزيز , وأن الخيارات الأخرى مجرد وهم , وسراب , وحرث في البحر !!!! .

مع استمرار اندفاع الجماهير المسلمة في فلسطين خطى بالحركة الجهادية , والانتفاضة إلى افتتاح أعراس الدم والشهادة محرضا الشباب – كل الشباب , والمجاهدين – كل المجاهدين على الاستشهاد , فهو الحلم الحقيقي الذي يجب أن يتمناه كل مسلم غيور على فلسطين والقدس .

     وبينما كانت الانتفاضة تمد جذورها في قلوب شعبنا الفلسطيني المسلم , وتتصاعد جرت محاولة عربية ودولية لإخمادها ... وأثناء عودته من ليبيا جرت محاولة شريرة لاغتياله في قبرص في 26 / 10 / 1995م على أيدي الموساد الإسرائيلي وعملائه حيث حاول الكيان الصهيوني تبريرها إعلاميا بالمسئولية عن العملية الاستشهادية المزدوجة التي نفذها الاستشهاديان صلاح شاكر وأنور سكر حيث ارتقى إلى الله شاهدا وشهيدا ...

     هذه الرؤيا للشهيد فتحي الشقاقي كانت تخلق تواصلا قرآنيا تاريخيا فاعلا على مساحة الزمكان , فهو يفسح المجال للخضوع إلى المقدس , وتفجير الكلاسيكي , فهو يحمل في طياته قدسية وانفتاحا على الواقع لإعادة إنتاج واقع يتماشى مع حركة التاريخ , بالتالي فهي رؤيا متكاملة ذاتيا وموضوعيا حيث " وعد الآخرة " هو نبوءة المستقبل كنص واقع حاضر في حياتنا , وهذا ما أسميه " سؤال المقدس " - توهج المقدس الذي يتمتع بطاقة روحية هائلة , وهذه الروحية هي حياة الأمة والتيار الجهادي . إن التعطش للشهادة والاستشهاد دفع بالشهيد إلى أن يفتح الباب على مصراعيه في هذا الصراع العقائدي الممتد من غار حراء ... " فإذا جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس شديد فجاسوا خلال الديار وكان وعدا مفعولا , ثم رددنا لكم الكرة عليهم وأمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم أكثر نفيرا , إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم , وإن أسأتم فلها , فإذا جاء وعد الآخرة ليسيئوا وجوهكم , وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة , وليتبروا ما علوا تتبيرا , عسى ربكم أن يرحمكم , وإن عدتم عدنا وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا " سورة الإسراء 5 – 8 .

     عذرا وألف عذر وأنا أحاول مقاربتك – يا أخي - بنيويا , واضع تراثك لمحاولة فك كلمة السر ومحاولة فهمك منهجيا وحركيا ... وأنا اقترب من طهارتك , ونورك الإلهي المتوهج , والجميل ,,, ولكنك تبدو أوسع من المحاولة ... وتحتاج إلى أكثر من لقاء , وأكثر من جهد المحاولة ... ألف عذر ... ألف عذر !!! .ألف ... عذر  ... ألف !!!...

 



أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية