جريدة مصر الحرة
جريدة الوعي والتفاعل
الأقليات وقضايا الديمقراطية في العالم العربي بقلم محمد محفوظ

الأقليات وقضايا الديمقراطية في العالم العربي

]رؤية جديدة [

محمد محفوظ  

ثمة مسائل وقضايا شائكة وحيوية في آن‏,‏ تثيرها التطورات الإقليمية والدولية اليوم‏,‏ ولا نبالغ حين القول‏:‏ أن تسعير التوترات وإشعال بؤر العنف بكل أصنافه وأشكاله‏,‏ جاء نتيجة العقلية الاستبدادية‏,‏ التي سادت مناطق عديدة من العالم‏,‏ وهكذا فالعنف والقهر والاستبداد‏,‏ هو الذي أيقظ الخصوصيات بنحو سلبي‏,‏ كما أن إرهاب الدولة وغطرستها وتغولها وسعيها المحموم لدحر ما عداها‏,‏ هو الذي أدي إلي تسعير التوترات وتفجير الاحتقانات في مواضع ومناطق عديدة من العالم‏.‏ وعلي هدي هذا نستطيع القول‏:‏ أن كل الكيانات والوجودات‏,‏ التي تأسست علي قاعدة الوحدة القسرية والقهرية لتنوعاتها وتعدداتها‏,‏ فإن مآلها الأخير هو التشظي والتفتت‏,‏ والإمبراطوريتان السوفيتية واليوغسلافية نموذجان صريحان لذلك‏.‏
إن منطق الاستبداد لا يؤبد الأنظمة‏,‏ ولا يفضي إلي الاستقرار‏,‏ وإنما يفاقم العيوب‏,‏ ويعمق التوترات‏,‏ ويفجر الخصوصيات‏.‏ وإننا بحاجة إلي تحول نوعي وتطور استراتيجي في فكرنا السياسي والاستراتيجي‏,‏ يعمق خيار الديمقراطية في واقعنا‏,‏ ويسعي نحو صناعة حقائقه ووقائعه‏,‏ ويحارب كل موجبات الاستبداد وحالات التهميش والتمييز‏,‏ ومواقع النبذ والإقصاء‏.‏ لهذا نحن بحاجة لأن نعيد قراءة مسألة الأقليات والخصوصيات الذاتية في المجالين العربي والإسلامي‏..‏ وهذا ما نحاوله في السطور القادمة‏..‏



مفهوم الأقليات‏:‏


بعيدا عن المضاربات الأيدلوجية والسياسية‏,‏ بإمكاننا أن نحدد معني الأقليات بأنها‏:‏ التكوين البشري‏,‏ الذي يتمايز مع جماعته الوطنية في أحد العناصر التالية الدين‏-‏ المذهب‏-‏ اللغة‏-‏ السلالة‏.‏ وهذا التمايز تعبير عن التنوع الطبيعي بين البشر‏.‏


فالاقليات هي أية مجموعة بشرية تختلف عن الأغلبية في واحد أو أكثر من المتغيرات التالية‏:‏ الدين أو اللغة أو الثقافة أو السلالة‏.‏ ولا يعني ذلك كل من يختلف عن الأغلبية في أحد هذه المتغيرات هو مناوئ للقومية العربية أو لمطلب الوحدة‏.‏ فهناك من بين أفراد بعض هذه الأقليات من ناضلوا في سبيل قضية الوحدة‏,‏ وأسهموا مساهمات رائدة في الفكر القومي العربي‏.‏ لذلك فإن توصيف جماعة معينة كأقلية لا يعني بالضرورة أي حكم مسبق علي اتجاهاتها نحو مسألة الوحدة‏.‏ والعبرة كما قلنا هي ما إذا كان أي من هذه المتغيرات الدين‏-‏ اللغة‏-‏ الثقافة‏-‏ السلالة يضفي علي مجموعة بشرية معينة قسمات اجتماعية‏-‏ اقتصادية‏-‏ حضارية تلون سلوكها ومواقفها السياسية في مسائل مجتمعية رئيسية‏(1).‏



والجماعة الإثنية تستخدم في العلوم الاجتماعية‏,‏ لتشير إلي أي جماعة بشرية يشترك أفرادها في العادات والتقاليد واللغة والدين وأية سمات أخري متميزة بما في ذلك الأصل والملامح الفيزيقية والجسمانية‏(2).‏ وبالتالي فإن الحديث سيتجه إلي الأقليات الإثنية والدينية والمذهبية‏..‏ ففي أفريقيا السوداء‏,‏ التي يناهز تعداد سكانها اليوم‏(750)‏ مليون نسمة‏,‏ توجد‏(54)‏ دولة‏,‏ وتوجد في مقابلها‏(2200)‏ إثنية تتكلم بمثل هذا العدد من اللغات‏.‏ وفي آسيا أكبر قارات العالم من حيث تعداد السكان‏,‏ يعيش اليوم‏(3.5)‏ مليار نسمة‏,‏ يتوزعون بدورهم علي أكثر من‏(2000)‏ إثنية وينطقون بأكثر من‏(2000)‏ لغة ويعتنقون ديانات شتي‏.‏ فاندونيسيا مثلا‏,‏ وهي رابع أكبر دولة في العالم‏,‏ ويقطنها‏(215)‏ مليون نسمة‏,‏ يتوزعون علي‏(300)‏ إثنية وينطقون بـ‏(365)‏ لغة‏.‏ والفليبين‏,‏ بلد الـ‏(100)‏ إثنية ولغة‏.‏ ويصل تعداد الإثنيات والأقليات الإثنية في لاوس إلي‏(70),‏ وفيتنام إلي‏(55),‏ وتركيا إلي‏(66),‏ وإيران إلي‏(21)‏ وبنغلاديش إلي‏(52)‏ والنيبال إلي‏(30).‏
وفي العالم اليوم‏(188)‏ دولة أعضاء في منظمة الأمم المتحدة‏,‏ ولكن هناك في المقابل‏(8000)‏ إثنية و‏(6700)‏ لغة‏.‏ ولقد أقرت كندا في عام‏(1988)‏ لسكانها الهنود‏(850)‏ ألفا يتوزعون بين‏(600)‏ قبيلة بوضعية ثقافية خاصة‏,‏ وأفردت بندا خاصا من قانونها الاتحادي البند‏27‏ لتكريس حق الأفراد الذين ينتمون إلي أقلية إثنية أو لغوية أو دينية في التمتع بتقاليدهم الثقافية الخاصة وبممارسة شعائرهم الدينية والتكلم بلغاتهم الخاصة وتعلمها‏.‏ ولقد أنشأت كندا أخيرا للهنود المعروفين باسم الأينويت من سكانها‏,‏ منطقة مستقلة ذاتيا لها برلمانها الخاص وعاصمتها الخاصة ومدارسها الخاصة‏,‏ وحتي شركة طيرانها الخاصة‏,‏ مع أن تعداد الهنود الأينويت لا يزيد عن‏35‏ ألف نسمة‏.‏ والسويد أباحت تعليم‏265‏ لغة في مدارسها‏,‏ بما فيها لغات الجاليات المهاجرة كالعربية والسريانية والتركية‏.‏ وأقرت أيطاليا في عام‏1999‏ قانونا تشريعيا لحماية الأقليات اللغوية‏,‏ ومنحت وضعية إدارية وثقافية خصوصا لخمس من محافظاتها في جزيرتي صقلية وساردينيا وفي جبال الألب والتيرول‏(3).‏



إن درجة التميز وحدته وعمقه الاجتماعي والسياسي وأهدافه وتطلعاته القريبة والبعيدة‏,‏ مرهون كل هذا إلي حد بعيد إلي طبيعة التعامل الذي تمارسه السلطات السياسية والاجتماعية‏.‏ فإذا كان التعامل جافا وبعيدا عن مقتضيات العدالة والحرية‏,‏ فإن الشعور بالتميز الذي يفضي إلي تمييز وتهميش من قبل السلطات‏,‏ سيؤدي إلي المزيد من التميز والتشبث بالخصوصية‏,‏ وسيدفعه هذا الشعور العميق بالتميز بتبني خيارات واتجاهات تزيد انفصاله الشعوري والعملي عن المحيط العام‏.‏ إما إذا كان التعامل مرنا وسياسيا‏,‏ فإن درجة الشعور بالتميز تتضاءل وإمكانية الاندماج الطوعي تتعمق وتتواصل‏.‏


فالسلطة السياسية يجب أن تبحث نظام للتضامن والتعامل الحسن والحضاري مع هذه الأقليات‏,‏ نظام يلبي متطلبات الأقليات الدينية والثقافية والتعليمية والاجتماعية‏,‏ كما يلبي متطلبات الوحدة والاستقرار‏.‏ هذا النظام المرن والحيوي‏,‏ هو الذي يزيل كل التوترات‏,‏ ويحد من نزعات التهميش والتميز‏..‏ بل نستطيع القول‏:‏ أن النظام السياسي والاجتماعي المرن والمتسامح‏,‏ يتمكن من توظيف الشعور بالتميز لدي المجموعات البشرية‏,‏ في بناء الوطن وإزالة كل عناصر التوتر‏..‏ أي أن الديمقراطية تجعل دور التميز دورا وحدويا‏,‏ اندماجيا‏,‏ بعيدا عن كل أشكال التقوقع والدوائر المغلقة‏.‏



ولابد من القول‏:‏ أنه كلما قلت وتضاءلت مستويات الاندماج‏,‏ كلما برزت في المجتمع مسألة الأقليات وتداعياتها السياسية والاجتماعية والثقافية‏.‏ بمعني أن وجود الأقليات في أي فضاء اجتماعي‏,‏ يتحول إلي مشكلة‏,‏ حينما يفشل هذا الفضاء ولعوامل سياسية واجتماعية وثقافية عديدة في تكريس قيم التسامح واحترام الآخر‏.‏


إن الأقليات كمفهوم وواقع مجتمعي‏,‏ لا يكون في قبالة ومواجهة القوميات والوطنيات‏,‏ ويسيء إلي جميع هذه المفاهيم من يجعل من مفهوم الأقليات مواجها لمفهومي القومية والوطنية‏,‏ لأنه من المكونات الأساسية لكل قومية ووطنية هويات متعددة إما دينية أو مذهبية أو إثنية أو لغوية‏..‏ ولعل من الأخطاء الكبري أن تعالج الطائفية كما لو كانت إحدي ترسبات التاريخ الأيديولوجي العربي وتجلياته المرضية‏,‏ باختصار أن الوعي الطائفي هو نقيض الوعي القومي‏,‏ وأن هذا النقيض أصبح يعبر عن الماضي أكثر مما يعبر عن المستقبل‏,‏ وأنه لا بد زائل من تلقاء نفسه متي ما تم التأكيد علي الوحدة والشعور القوميين وضرب علي يد كل من يسعي إلي استغلال الشعور الطائفي البغيض والمتقادم‏(4).‏



ولا نبالغ حين القول‏:‏ أن أحد الأسباب الرئيسة لسقوط الإمبراطوريات وتداعي الكيانات السياسية الكبري‏,‏ كان بفعل الاستبداد وغياب الحريات النوعية الناظمة للعلاقة والمصالح بين مجموع التعبيرات والأطياف المتوفرة في المجتمع‏.‏ وإن هذه الإمبراطوريات والكيانات والدول‏,‏ بدأت الانحدار حينما ساد التمييز بين القوميات والإثنيات‏,‏ وغاب التضامن الداخلي علي قاعدة المواطنة الواحدة‏,‏ وبرزت كل النزعات الاستبدادية‏,‏ التي حاولت الاستفادة من كل أسباب القوة للغلبة علي الأطراف الداخلية الأخري‏.‏


ومسألة الأقليات بكل عناوينها ومسمياتها‏,‏ من المسائل الحساسة في المجالين العربي والإسلامي‏,‏ وتحتاج إلي قراءة ودراسة عميقة لواقعها وصولا إلي بلورة رؤية حضارية متكاملة في طريقة التعامل معها وكيفية اندماجها الطوعي والاختياري مع النسيج الوطني والمجتمعي‏.‏ ولعلنا لا نعدو الصواب حين القول‏,‏ أن الكثير من النكبات الاجتماعية والانفجارات السياسية‏,‏ كان من جراء عدم التصدي الجاد لعلاج هذه المسألة في الواقعين العربي والإسلامي‏.‏

نقد العلمانية‏:‏


علي المستوي التاريخي‏,‏ نجد أن علمانية الحركة القومية‏,‏ وعلمنة مشروع الوحدة‏,‏ لم يلغ مسألة الأقليات ولم يعالجها وفق نسق حضاري يحترم خصوصياتها ويشركها علي قدم المساواة في إجتراح دورها في مشروع الوحدة‏.‏ وعلي المستوي الواقعي‏,‏ نجد أن العديد من الكيانات السياسية العلمانية‏,‏ لم تستطع أن تتجاوز عصبيات الواقع والدوائر التقليدية المتوفرة في المجتمع‏.‏ بمعني أن العديد من الوجودات السياسية العلمانية‏,‏ هي عبارة عن يافطة حديثة لواقع تقليدي‏,‏ عصبوي‏..‏ فالكثير من الأحزاب هو واجهات لواقع تقليدي‏.‏ لذلك فإن العلمانية في التجربة العربية والإسلامية‏,‏ لم تستطع أن تتجاوز بشكل حضاري خصوصيات الواقع ودوائره الخاصة المتوفرة‏..‏ فالتجربة العلمانية العربية‏,‏ مارست السياسة بآليات متخلفة وتنتمي إلي عصور الانحطاط‏,‏ وإستقوت علي غيرها من الوجودات والتعبيرات‏,‏ بالاستقواء بالعصبيات التي جاءت علي المستوي النظري كحل لتجاوزها ومنع تأثيراتها السلبية‏..‏ فالممارسة العلمانوية أضحت في مناطق العالم العربي‏,‏ ممارسات طائفية‏,‏ حيث الاحتماء بطائفة ضد أخري‏,‏ وممارسات قومية شوفينية‏,‏ حيث الاستناد بقومية وقمع القوميات الأخري‏..‏ وهذا أدي في المحصلة النهائية إلي أن التجربة العلمانية العربية‏,‏ أنتجت وبزخم جديد كل الصراعات والنزاعات الداخلية‏,‏ والتي جاءت كوصفة نهائية لعلاجها وإسقاط موجبات بقائها‏.‏ فتحولت علي مستوي التجربة العملية‏,‏ إلي إضافة جديدة إلي الصراعات العميقة التي كانت تعاني منها مجتمعاتنا‏.‏ وهذا يدفعنا إلي القول‏:‏ أنه حينما تغيب الديمقراطية والحريات النوعية‏,‏ تتحول كل الشعارات والمضامين الحديثة‏,‏ إلي واجهات لإنتاج الأزمات التقليدية والعقد الكامنة في المجتمعات العربية والإسلامية‏.‏ فالديمقراطية هي الشرط الذي لا بد منه للسير نحو تطوير البني السياسية والثقافية والاقتصادية للمجتمع‏..‏ كما أن الديمقراطية هي التي تدفع السيرورة الاجتماعية للتعاون والتضامن والاندماج بين الأقليات علي أسس أكثر عدالة وتسامحا ومساواة‏..‏ فالاستبداد والديكتاتورية‏,‏ هي التي جعلت الواجهات الحديثة ذات محتوي أو طابع طائفي أو قومي محض‏.‏ وبهذا غابت المواطنية‏,‏ وسادت البني الطائفية والقومية المغلقة والمنعزلة في آن‏..‏

وإن التعامل السليم والعادل مع واقع الأقليات والإثنيات المتعددة في المجالين العربي والإسلامي‏,‏ لا يعرقل مشروع الأغلبية في الأمة‏.‏ وإن الاعتراف بوجود هذه المشكلة أو هذا المأزق‏,‏ هو الخطوة الأولي في مشروع الإصلاح‏.‏ ولابد من الإدراك‏,‏ أن المشروع الغربي تجاه أقليات المجال الإسلامي‏,‏ يتجسد في تضخيم مشاكله ومآزقه لإعاقة وعرقلة مشروع الأمة والأغلبية‏..‏ ومواجهة هذا المشروع‏,‏ لا تقتضي منا نفي المشكلة من أصلها‏,‏ أو رفض المطالب المشروعة لهذه الأقليات والإثنيات‏,‏ وإنما يتطلب بلورة مشروع حضاري متكامل‏,‏ يلحظ خصوصية هذه الكيانات‏,‏ ويؤسس لتعامل عادل مع وقائعها وطموحاتها وهواجسها‏,‏ حتي نمنع كل توظيف سيئ لهذه الحالة‏..‏ وصولا لتأسيس ميثاق وطني جديد‏,‏ يأخذ علي عاتقه احترام الأقليات والإثنيات عبر فسح المجال لهم للتعبير عن خصوصياتهم العقدية والثقافية والشعبية‏,‏ وصيانة مفهوم الوحدة الوطنية علي قاعدة الحرية واحترام حقوق الإنسان وتوفير كل متطلبات العدالة السياسية والاجتماعية والثقافية‏.‏


وبدون هذا سيبقي النزيف الداخلي‏,‏ وستتعمق الجراح والاحتقانات وسيبقي واقعنا بكل تفاصيله ساحة خصبة لمؤامرات الأعداء ومطامحهم التاريخية‏.‏ فالأمن الشامل والدائم‏,‏ هو وليد العدل السياسي والاجتماعي والاقتصادي‏,‏ وكل محاولات وإجراءات استتباب الأمن لا فعالية لها ما دام مفهوم العدل لم يتحقق في الواقع المجتمعي‏.‏ وترتكب الدول والمجتمعات أخطاء فادحة‏,‏ حينما تنشد الأمن والاستقرار بعيدا عن متطلبات العدالة وحقائق الحرية والمساواة‏.‏ والدين كمنظومة مفاهيمية متكاملة‏,‏ ليس هو مصدر التعصب الطائفي أو الإثني‏,‏ وإنما الأوضاع السياسية والاقتصادية الشاذة والظالمة‏,‏ هي التي تدفع المجموعات البشرية المتضررة من هذه الأوضاع إلي البحث عن وسائل لحماية ذاتها في خصوصياتها وإنتماءاتها العميقة‏.‏ كما أن المجموعات البشرية المستفيدة من الأوضاع‏,‏ فإنها تتشبث بخصوصياتها‏,‏ لكي تحافظ علي مكتسباتها ومصالحها‏.‏ لذلك فإن مصدر التعصب والتطرف‏,‏ هو الأوضاع السياسية والاقتصادية الظالمة‏,‏ التي تمارس فرزا عميقا لكل فئات المجتمع علي قاعدة إنتماءاتهم المذهبية والإثنية والسياسية والأقوامية‏.‏ والقضاء علي هذا التعصب والتطرف‏,‏ لا يتم عبر محاربة الدين
وأشكال التواصل معه بل عبر مواجهة الظروف السياسية والاقتصادية‏,‏ التي عمقت هذا التعصب‏,‏ وعملت علي بناء واقع سياسي علي قاعدة التمييز والتهميش لفئات اجتماعية‏,‏ والامتيازات والثروات والمناصب لفئات اجتماعية أخري‏..‏ فالأداء السياسي الظالم والبعيد عن مقتضيات العدالة والمرونة والتسامح‏,‏ هو المسؤول عن كل حالات التعصب والتطرف بكل أشكاله ومستوياته‏.‏ وإن الاستقرار السياسي والمجتمعي‏,‏ القائم علي احترام تعدديات المجتمع وتنوعه الفكري والسياسي‏,‏ هو الذي يؤدي إلي نضوج خيار التمازج والتداخل والتواصل المتبادل بين مجموع تعبيرات المجتمع والأمة‏.


ويبدو أننا من دون فهم واقع الأقليات والإثنيات في المجالين العربي والإسلامي‏,‏ وبلورة المعالجة الحضارية لهذا الواقع‏.‏ من دون هذا سيبقي الواقع الداخلي والمجتمعي للعرب والمسلمين‏,‏ يعاني الكثير من الأزمات والاختناقات والنكبات‏,‏ لأن العديد من الصراعات والحروب الصريحة والكامنة‏,‏ تجد جذورها ومسبباتها العميقة في هذا الواقع الذي يتم التعامل مع الكثير من عناوينه وقضاياه بعيدا عن مقتضيات العدالة والديمقراطية‏.‏ وحينما نلح ونصر علي ضرورة قراءة هذه المسألة ودراستها بشكل معمق‏,‏ لا نريد تبرير واقع الانقسام والتجزئة‏,‏ أو نشجع أصحاب المصالح في الخارج للاستفادة من هذه الفسيفساء أو التناقضات‏,‏ وإنما نريد إعادة بناء مفهوم الوحدة الوطنية علي قاعدة أكثر حرية وعدالة ومساواة‏.‏ ولا يمكننا الوصول إلي ذلك دون الاعتراف بهذه المشكلة‏,‏ والعمل معا من أجل بلورة المعالجة المناسبة لها‏.‏

العدالة سبيل التعايش‏:‏


لا يمكن أن تتعايش التنوعات كلها في إطار أمة واحدة ووطن واحد‏,‏ إذا لم تسد قيم العدالة الواقع الذي تعيشه هذه التنوعات‏..‏ فالظلم بكل صوره وأشكاله‏,‏ يفتت التنوعات ويشرذمها ويؤسس لمنطق الحروب والنزاعات المفتوحة بينها‏.‏ ولا سبيل لتعايش حضاري بين التنوعات والتعبيرات المختلفة‏,‏ بدون عدالة‏,‏ تلغي كل حالات التهميش والتمييز‏,‏ وتمنع سيادة منطق الغلبة والإلغاء‏,‏ وتحافظ علي كل أسباب العدالة في نمط العيش وأشكال العلاقة‏.‏
والعدالة التي نعتبرها سبيل التعايش الحضاري بين مختلف التنوعات تعني‏:‏ نبذ كل أشكال التمييز والإقصاء والإلغاء‏,‏ واعتبارها من القضايا الرئيسة التي تهدد وحدة الوطن وأمنه‏.‏ فالذي يهدد الوحدة‏,‏ هو التمييز والتهميش والإقصاء‏.‏ ولا سبيل لإنجاز مقولة العدالة‏,‏ إلا بنبذ كل أشكال التهميش والإقصاء الذي تتعرض إليه بعض التنوعات‏.‏ وهنا يتطلب أيضا الوقوف بحزم ضد كل محاولات التشويه التي تتعرض إليها بعض المدارس العقدية والفكرية والسياسية‏,‏ وذلك لأن السماح إلي المغرضين إلي تشويه سمعة الآخرين الذين هم جزء لا يتجزأ من الوطن‏.‏

تكافؤ الفرص الوظيفية والإدارية والسياسية والثقافية‏,‏ صيانة الحقوق الدينية والسياسية والثقافية‏,‏ فلا يكتمل عقد العدالة‏,‏ إلا بالعمل علي صيانة حقوق الأقليات الدينية والسياسية والثقافية‏,‏ تطوير النظام السياسي وإرساء دعائم ومتطلبات الديمقراطية فيه‏.‏

الحرية تعني غياب الإكراه‏:‏


فالمعني البسيط والمباشر للحرية‏,‏ يعني حرية الاختيار‏.‏ ولا اختيار حر في ظل الإكراه‏.‏ لذلك فإن الحرية تعني غياب الإكراه علي المستويات كافة‏.‏ بحيث أن الإنسان يمارس حقوقه ويلتزم بواجباته بعيدا عن الإكراهات المتعددة‏,‏ التي تحول دون الممارسة السليمة لمفهوم الحرية‏.‏ وعلي المستوي التاريخي كان تطور مفهوم الحرية علي الصعيد المجتمعي‏,‏ هو من جراء نضالات مستميتة ومعارك ضارية من أجل تثبيت قيم الديمقراطية‏,‏ وإنهاء كل عناصر الإكراه التي تحول دون التراكم الإيجابي لقيمة الحرية‏.‏ ولا يمكن بأي حال من الأحوال‏,‏ اعتبار القمع والإكراه والعنف‏,‏ وسيلة من وسائل تنظيم الحياة الوطنية وضبط العلاقة بين السلطة والمجتمع‏.‏ وذلك لأن هذه العناصر تزيد الأزمات وتعمق خيارات الإقصاء‏,‏ وتزيد من فرص الحروب بين السلطة والمجتمع‏.


إن الحرية هي القيمة الأساسية التي تحقق مفهوم العدالة في بعدها السياسي والثقافي فلا عدالة سياسية بدون حرية سياسية تتجسد في حرية تشكيل الأحزاب والتكتلات السياسية وتجذير مفهوم تداول السلطة‏,‏ كما أنه لا عدالة ثقافية‏,‏ إذا لم تعط الحرية لكل القوي والوجودات‏,‏ لكي تعبر عن ذاتها وخصوصياتها الثقافية‏.‏ فالعدالة لا تتأتي إلا بتوافر الحريات العامة علي نحو حقيقي ونوعي‏.‏



إن تسفيه مشاعر الآخرين‏,‏ لا يقود إلي التضامن والوحدة‏,‏ بل إلي الشقاء والمحنة‏.‏ وهكذا نصل إلي حقيقة أساسية مفادها‏:‏ أن اندماج الأقليات في مشروع الوطن والوحدة الوطنية أو القومية‏,‏ يتطلب إعطاءها الحرية لممارسة شعائرها وطقوسها الدينية وفسح المجال القانوني لتاريخها الثقافي‏,‏ ولمساهمة ثقافتها الراهنة في صياغة واقعها الخاص‏.‏ حينذاك أي حينما تمنح الأقليات الحرية‏,‏ سيتم الاندماج الطوعي والاختياري في مشروع الوحدة الوطنية والقومية‏.‏

الحرية بوابة الوحدة‏:


لكي ترتفع الأقليات والإثنيات من دوائرها التقليدية وكياناتها الذاتية إلي مستوي المواطنة الجامعة‏,‏ هي بحاجة إلي عوامل موضوعية وسياسية‏,‏ تساهم في إشراك هذه الدوائر والكيانات في بناء مفهوم الأمة‏.‏ ولقد علمتنا التجارب أن التعامل القهري مع هذه الكيانات الأقلوية والإثنية‏,‏ لا ينهي الأزمة‏,‏ ولا يؤسس لمفهوم حديث للأمة والوطن‏,‏ وإنما يشحن المجتمع بالعديد من نقاط التفجر والتوتر‏,‏ ويدفع هذه الكيانات إلي الانكفاء والانعزال‏,‏ وبهذا يسقط مشروع الأمة والمواطنة الجامعة‏.‏


وخيار القمع والاستبداد خلال العقود المنصرمة‏,‏ وفي مناطق عديدة من مجالنا العربي والإسلامي لم يقض علي هذه المشكلة‏,‏ ولم يؤصل لمنظور وحدوي جديد‏,‏ يتجاوز فيه بشكل حقيقي وعميق مشكلة الكيانات الخاصة‏.‏ وإنما أدي خيار الديكتاتورية والقمع‏,‏ إلي مسلسل رهيب من التهميش والتمييز علي مختلف الصعد بحق أبناء الأقليات والإثنيات‏.‏ حيث أن المشروع الوحدوي الذي يستند علي الديكتاتورية والاستبداد‏,‏ يفضي إلي المزيد من الفرقة والتشرذم والتشظي والبعد عن كل متطلبات الوحدة‏.‏ لأن الوحدة الوطنية أو القومية‏,‏ لا تنجز علي قاعدة إفناء التنوعات الداخلية‏,‏ وإنما عبر توفير الحرية لها‏,‏ ولكي تمارس دورها في بناء الوحدة‏..‏ والخطاب الوحدوي الذي حارب الأقليات والاثنيات والقوميات الأخري‏,‏ باعتبارها مضادات للوحدة أو طوابير خامسة للقوي المعارضة للوحدة‏,‏ انتهي المطاف إلي إقليمية ضيقة‏,‏ لا يري إلا الإقليم القاعدة‏,‏ ولا يحترم إلا مصالحه وتحالفاته وواقعه السياسي‏.



والتجارب الوحدوية الفاشلة‏,‏ التي عمقت بفشلها وتراجعها وسلبياتها حالات التجزئة‏,‏ كان السبب الأساسي في تقديرنا لفشلها وإخفاقاتها‏,‏ هو في اعتماد هذا المشروع علي ديكتاتورية عسكرية وسياسية لإنجاز هذا المفهوم الحضاري‏.‏ كما أن الوحدة التي تستند في خلق واقعها ومسيرتها الفعلية علي سلطة مستبدة‏,‏ لا تنجز الوحدة‏,‏ بل تعمق خيار التفتيت والتشظي تحت مسميات ويافطات عديدة‏.‏ فالاستبداد لا يخلق وحدة‏,‏ بل تشظيا وتفتتا وانزلاقا نحو الحروب الداخلية المميتة لكل حيوية وفعالية باتجاه الوحدة ومتطلباتها السياسية والاجتماعية‏.‏

الحرية شرط تجاوز الطائفية‏:‏


الحقائق التاريخية عنيدة‏,‏ ومشروع الوحدة لا ينجز علي أنقاضها‏.‏ حيث تعلمنا التجارب أن كل المحاولات التي بذلت لتدمير هذه الحقائق التاريخية كشرط للوحدة باءت بالفشل‏,‏ وذلك لأن هذه الحقائق متجذرة وتمتلك امتدادات عميقة في الجسم الاجتماعي‏..‏ لذلك نستطيع القول أن طريق الوحدة‏,‏ لا يمر عبر محاربة هذه الحقائق‏,‏ وإنما عبر احترامها وتوفير الحرية اللازمة لها‏,‏ حتي تتوفر الظروف والمناخات المؤاتية لانخراطها الحضاري في مشروع الوحدة والتوحيد‏.‏ فالمشترك الوطني‏,‏ لا يعني إلغاء الخصوصيات الدينية أو المذهبية والثقافية‏,‏ وإنما يتطلب احترامها وفسح المجال لها‏,‏ لكي تمارس دورها ووظيفتها في إثراء مفهوم الوحدة بمضامين حضارية‏,‏ تتجاوز الرؤية الآحادية والنهج الإقصائي‏.‏


واحترام الأقليات وإعطاؤها الحريات اللازمة يعني فسح المجال القانوني والاجتماعي‏,‏ لكي تمارس هذه الأقليات شعائرها الدينية بعيدا عن الضغوطات والتجاذبات‏.‏ فسح المجال الثقافي والسياسي‏,‏ لكي تمارس الأقليات خصوصياتها اللغوية والثقافية‏.‏ الشراكة السياسية والاقتصادية‏,‏ حتي تنطلق الطاقات والقدرات في مشروع بناء الوطن وعمرانه‏.‏



لهذا نستطيع القول‏:‏ بأن مفهوم الشراكة السياسية والاقتصادية في بناء الوطن وإدارته تقتضيان إلغاء كل أشكال الإقصاء والتمييز‏,‏ والشفافية في الإدارة وتسيير الشؤون العامة‏,‏ ووجود عقد اجتماعي‏-‏ سياسي ينظم العلاقة بين مختلف الدوائر والقطاعات‏,‏ حتي تنتظم جميع الكفاءات الوطنية في مشروع البناء والعمران‏.‏



الحرية طريق المواطنة‏:‏


إذا توفرت الحرية والعدالة‏,‏ توفرت عناصر العقد الاجتماعي الحقيقي‏,‏ الذي يحافظ علي الاستقرار ويعمق عوامل الأمن الشامل‏.‏ فتتوفر كل العناصر المطلوبة لمفهوم المواطنة الحقة‏.‏ فلا مواطنة بدون حرية وعدالة‏,‏ فهما طريق خلق المواطن الصالح المدافع عن منجزات وطنه ومكتسباته‏,‏ والمدافع عن ثغوره وحدوده‏,‏ وهو الذي يكافح باستماتة من أجل عزة الوطن وتطويره‏.‏ فالإنسان المقموع والمضطهد في وطنه‏,‏ لا ينمو لديه حسن المواطنية بشكل إيجابي‏,‏ وذلك لأنه باسم الوطن يضطهد ويقمع‏,‏ وتحت علمه وشعاراته الوطنية تهان كرامته وتنتهك حقوقه‏.‏ لذلك فإن طريق المواطنة هو الحرية وصيانة حقوق الإنسان والدفاع عن كرامته الإنسانية‏.‏ إن هذه القيم والمبادئ‏,‏ هي التي تخلق عند الإنسان الحس الوطني الصادق‏.‏ وبدون هذه القيم‏,‏ تضيع المواطنية‏,‏ وإذا ضاعت المواطنية ضاع الوطن‏.‏لذلك لا وطن عزيزا بدون مواطنية عزيزة‏.‏


وإذا توفرت الحريات العامة‏,‏ فهذا يعني توفر المناخ الملائم لتعبئة طاقات المجتمع‏,‏ وبلورة كفاءات نخبته‏,‏ وإزدادت ابداعاته ومبادراته‏.‏ وكل هذه الأمور من القضايا الحيوية لصناعة القوة في الوطن‏.‏ ويخطيء من يتصور أن القهر والاستبداد والأساليب الأمنية المختلفة‏,‏ هي القادرة علي خلق المواطنية وحالة الولاء الصادق إلي الوطن‏.‏



ومن أجل تجسيد المواطنة في الواقع‏,‏ علي القانون أن يعامل ويعزز معاملة كل الذين يعتبرون بحكم الواقع أعضاء في المجتمع‏,‏ علي قدم المساواة بصرف النظر عن انتمائهم القومي أو طبقتهم أو جنسيتهم أو عرقهم أو ثقافتهم أو أي وجه من أوجه التنوع بين الأفراد والجماعات‏.‏ وعلي القانون أن يحمي وأن يعزز كرامة واستقلال واحترام الأفراد‏,‏ وأن يقدم الضمانات القانونية لمنع أي تعديات علي الحقوق المدنية والسياسية‏,‏ وعليه أيضا ضمان قيام الشروط الاجتماعية والاقتصادية لتحقيق الإنصاف‏.‏ كما أن علي القانون أن يمكن الأفراد من أن يشاركوا بفعالية في اتخاذ القرارات التي تؤثر في حياتهم‏,‏ وأن يمكنهم من المشاركة الفعالة في عمليات اتخاذ القرارات السياسية في المجتمعات التي ينتسبون إليها‏(5).‏


فالمشاركة الواعية بدون استثناءات ووصايات في شؤون الأمة والوطن‏,‏ وقدرة كل مواطن إلي الوصول بكفاءته إلي أعلي المناصب والمستويات بصرف النظر عن منبته ومذهبه وقوميته‏,‏ هو الذي يثري مفهوم المواطنة‏,‏ ويجعل إنجازه مرهونا إلي حد بعيد إلي الحرية والديمقراطية‏.‏

ولا شك أن أحد الأسباب الرئيسة لانهيار الوعي الوطني الصادق‏,‏ هو عدم التعامل الجاد والديمقراطي مع مسألة الأقليات‏.‏ إذ خضعت هذه المسألة للعديد من الاستقطابات السياسية المختلفة‏,‏ وتم استخدامها كورقة في الصراعات السياسية‏,‏ دون أن تنبري قوي نوعية للقيام بمبادرات سياسية جادة‏,‏ تسعي نحو بلورة رؤية متكاملة وممكنة لهذه المسألة في المجالين العربي والإسلامي‏.‏


ولنا في التجربة النبوية في المدينة المنورة خير مثال ونموذج‏,‏ إذ أن المواطنة التي شكلها رسول الله لم تلغ التعدديات والتنوعات‏,‏ وإنما صاغ دستورا وقانونا يوضح نظام الحقوق والواجبات‏,‏ ويحدد وظائف كل شريحة وفئة‏,‏ ويؤكد علي نظام التضامن والعيش المشترك‏.‏ إذ جاء في صحيفة المدينة‏:‏ وإنه لا يحل لمؤمن أقر بما في هذه الصحيفة‏,‏ وآمن بالله واليوم الآخر‏,‏ أن ينصر محدثا‏,‏ ولا يؤويه‏,‏ وإنه من نصره وآواه فإن عليه لعنة الله وغضبه إلي يوم القيامة‏,‏ ولا يؤخذ منه صرف ولا عدل‏.‏ وإنكم مهما اختلفتم في شيء فيه من شيء‏,‏ فإن مرده إلي الله وإلي محمد الرسول وإن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين‏..‏ وإن يهود بني عوف أمة مع المؤمنين‏:‏ لليهود دينهم‏,‏ وللمسلمين دينهم‏,‏ ومواليهم‏,‏ وأنفسهم‏,‏ إلا من ظلم‏,‏ أو أثم‏,‏ فإنه لا يوتغ إلا نفسه‏,‏ وأهل بيته‏(6).‏ فسبيل المواطنة الصادقة‏,‏ ليس التوحيد القسري والقهري للناس‏,‏ وإنما بالحرية وسيادة القانون واحترام حقوق الإنسان وكرامته‏,‏ نخلق مواطنا صالحا وفاعلا وشاهدا‏.‏



قوة المسلمين في حريتهم‏:‏


وإن الإنسان المسلم اليوم‏,‏ لا يستطيع أن يمارس خصوصيته بكل جوانبها وأبعادها بدون حريته‏.‏ فشرط ممارسة الخصوصية‏,‏ هو أن ينال الإنسان المسلم حريته حتي يستطيع أن يوظف كل إمكاناته وقدراته‏,‏ نحو العمران والتطوير‏.‏ فالمطلوب أن ينال الإنسان المسلم حريته‏,‏ وهي لا توهب‏,‏ وإنما هي بحاجة إلي جهد وجهاد‏,‏ سعي وكفاح‏,‏ تدرج وتواصل‏,‏ حتي تتراكم تقاليد وآداب الحرية في المحيطين الفردي والجماعي‏.‏ فقوة العرب والمسلمين في حريتهم‏,‏ لأنها بوابة الوحدة والإجماع‏,‏ كما هي الوعاء الذي يستوعب جميع الطاقات والقدرات‏.‏ ويرتكب خطأ جسيما ذلك الإنسان أو المجتمع‏,‏ الذي ينشد أن يجسد إحدي القيم الكبري للإنسانية بدون الحرية والديمقراطية‏.‏ فلا وحدة بلا حرية‏,‏ ولا عدالة اجتماعية بدون حرية‏,‏ ولا مساواة وتكافؤا للفرص بدون الحرية‏.‏ فهي بوابة القيم الكبري وإكسيرها الذي يمنح الحياة لكل قيم الصعود والتقدم والتطور‏.‏ فلتتوجه كل طاقاتنا وجهودنا‏,‏ صوب إرساء دعائمها‏,‏ وتوفير شروطها وتنظيم واقعنا ومجالنا السياسي والحضاري وفق هداها ومتطلباتها‏.‏


والحرية هي التي تعيد صياغة علاقتنا بمفاهيمنا وأفكارنا‏.‏ فبدل أن تكون علاقة جامدة‏,‏ اجترارية‏,‏ سكونية‏,‏ تتحول بالحرية إلي علاقة تفاعلية‏,‏ تواصلية‏,‏ ابتكارية‏.‏ لذلك نجد أن القرآن الحكيم‏,‏ يصرح أن مهمة الإسلام الأساسية‏,‏ هي إزاحة الأغلال والقيود التي تحول دون ممارسة الإنسان لحريته‏..‏ إذ قال تعالي‏(‏ الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم‏.‏ فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون‏)(7).‏



لذلك نستطع القول‏:‏ أن المنظومة المفاهيمية المعيارية في الإسلام‏,‏ هي بحق تشكل إستراتيجية متكاملة في إرادة التحرر والانعتاق من كل السلطات والديكتاتوريات التي تقف حائلا دون ممارسة حق العبودية المطلقة لله عز وجل وحده‏.‏ قال تعالي‏(‏ قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين‏)(8).‏


وعلي هدي هذه القيم والمبادئ‏,‏ نخلق فضاءنا الحر‏,‏ ونمارس حريتنا وتعدديتنا‏,‏ ونجسد حضورنا وشهودنا‏,‏ ووقائع وحقائق الدفاع عن حريتنا وحرية غيرنا‏.‏ فالحرية لا تعني بأي حال التفلت من القيم ومحاسن العادات والأعراف الاجتماعية‏,‏ وإنما تعني استخدام إرادتنا والتعامل مع راهننا بما ينسجم والمثل العليا والضمير والوجدان‏.‏



وإن حاجتنا إلي الحريات وسيادة قيم الديمقراطية في مجتمعاتنا‏,‏ ليس نابعا من مقولة ضرورة التكيف مع الأوضاع العالمية وتوجهها نحو الديمقراطية‏,‏ وإنما هو نابع بالدرجة الأولي من حاجتنا إلي هذه الحريات‏,‏ ومن شوقنا الخالد والدائم للديمقراطية‏,‏ بحيث تبدأ مجتمعاتنا مسيرة اجتراح تجربتها الديمقراطية وتجسيدها لقيم الحرية في دوائرها المتعددة‏.‏ فالمطالبة بالديمقراطية‏,‏ والشعور بضرورتها وأهميتها لواقعنا الراهن‏,‏ ليس وليد التقليد الصرف للآخرين وأطوارهم التاريخية‏,‏ بل هو من صميم واقعنا ومسيس حاجتنا إلي هذه الحريات‏,‏ حني نتمكن جميعا من الخروج من المآزق الكبري التي نعاني منها‏,‏ وتحول دون إنطلاقتنا الحضارية‏.‏ فقيمنا ومبادئنا وواقعنا ومآزقه العديدة‏,‏ هو الذي يدفعنا إلي القول بضرورة التزام الديمقراطية كخيار إستراتيجي سواء علي صعيد السلطة ومؤسسات الدولة أو مؤسسات المجتمع المدني‏.‏
إن الديمقراطية بثقافتها وآليات عملها والمناخ الذي تخلقه علي مختلف الصعد‏,‏ هي القادرة علي تفكيك الكثير من العقد والأزمات بأقل خسائر ممكنة‏.‏ وإن رفض هذا الخيار والنهج‏,‏ يفاقم من العقد والأزمات‏,‏ ويدخلنا جميعا في حقبة الانفجارات الاجتماعية والحروب الداخلية‏,‏ التي لا تزيد أوضاعنا وأحوالنا إلا سوءا وتدهورا‏.‏ وحدها الديمقراطية والحريات السياسية والثقافية‏,‏ هي التي تؤسس لطريق جديد لمعالجة الأزمات من جذورها‏,‏ وتنهي موجبات ديمومتها بأقل خسائر ممكنة علي جميع الصعد والمستويات‏.‏



ولا يوجد شيء مهما علا شأنه يعوضنا عن قيمة الحرية‏.‏ فحينما تتوفر كل أسباب القوة الاستراتيجية والعسكرية والشعبية‏,‏ دون قيمة الحرية‏,‏ فإن هذه الأسباب لا تباشر دورها المطلوب‏,‏ ولا تقوم بممارسة تأثيراتها المنشودة‏.‏ فكاريزما جمال عبدالناصر والشعبية العارمة التي اكتسبها‏,‏ لم تلغ حاجتنا إلي الحرية‏.‏

  مع الحرية والديمقراطية‏,‏ يبقي مشروع الوحدة ممكنا‏,‏ وبدونها يبقي واقعنا ممزقا وراهننا متشرذما‏.‏ ولا علاج لمآزقنا العديدة إلا بالحريات السياسية الحقيقية التي تسمح لجميع القوي والتعبيرات بالمشاركة النوعية في إدارة الشأن العام وتطوير الحقل السياسي والمدني الوطني‏.‏ ومع الديمقراطية والحرية تبقي الأقليات عامل إثراء لمضامين الوحدة علي المستويات السياسية والاقتصادية والحضارية‏.‏ وبدونها تبحث الأقليات عن مشروعها الخاص‏,‏ وتتكور في دائرتها الخاصة‏.‏ فيضيع الوطن الجامع‏,‏ وتتبعثر مشروعات الوحدة والتوحيد‏.‏

وإذا أردنا للأقليات أن تعود إلي فضاء الوحدة ومجال التوحيد‏,‏ فما علينا إلا إرساء دعائم الديمقراطية ومتطلبات الحريات الدينية والثقافية والسياسية‏,‏ حتي تتجاوز مشروعاتها الخاصة وهواجسها الذاتية‏.‏ فالحرية والديمقراطية هي الوسيلة الحضارية الوحيدة‏,‏ القادرة علي إدماج الأقليات بشكل اختياري وإنساني مع النسيج العام‏.‏ وذلك لأن الحريات تساهم بشكل أساسي في تنمية المشتركات وتفعيلها والدفع بها باتجاه خلق الوقائع السياسية والمجتمعية المنسجمة وحاجات ومتطلبات القواسم المشتركة‏.‏

الهوامش‏:‏

(1)‏ د‏.‏ سعد الدين إبراهيم‏,‏ تأملات في مسألة الأقليات‏,‏ دار سعاد الصباح‏,‏ مركز ابن خلدون للدراسات الإنمائية‏,‏ القاهرة‏1992.‏

(2)‏ المصدر السابق‏

(3)‏ جريدة الحياة اللندنية‏,‏ العدد‏(13923),‏ الأحد‏29‏ أبريل‏2001,‏ مقال الاعتراف بحقوق الأقليات اعتراف بوحدة العالم وتنوعه‏.‏ جورج طرابيشي‏.

‏(4)‏ برهان غليون‏,‏ نظام الطائفية من الدولة إلي القبيلة‏,‏ المركز الثقافي العربي‏,‏ الطبعة الأولي‏,‏ بيروت‏1990.

‏(5)‏ مجلة المستقبل العربي‏,‏ العدد‏(264),(2001/2).‏ مركز دراسات الوحدة العربية‏,‏ .‏ دراسة الدكتور علي الكواري‏:‏ مفهوم المواطنة في الدولة الديمقراطية‏.

(6)‏ الشيخ محمد باقر المجلسي‏,‏ بحار الأنوار‏,‏ الجزء‏(19),‏ ‏ الطبعة الثانية‏,‏ مؤسسات الوفاء‏,‏ بيروت‏1983.

(7)‏ القرآن الحكيم‏,‏ سورة الأعراف‏,‏ آية‏(157).‏

(8)‏ القرآن الحكيم‏,‏ سورة الأنعام‏,‏ آية‏(162

*كاتب عربي سعودي


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية